قال الأمين العام لمنظمة «أوبك» إن «إعلان الجزائر» وضع الأطر والآليات التي ما زالت المنظمة تعتمدها وتفعّلها إلى اليوم. نقل التلفزيون الجزائري هذا التصريح، ولم يتجاوز في صيغته المتاحة هذه الجملة المركزية. والسؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي بقي فعلاً من ذلك الإعلان في عمل المنظمة اليوم، وما الذي تغيّر؟
ما الذي قيل بالضبط؟
المعطى المتوفر قصير. الأمين العام لـ«أوبك» يقول إن الإعلان، الذي يُنسب إلى الجزائر في اسمه، لم يكن حدثاً عابراً ثم طُوي، بل أسّس أطراً وآليات تشتغل بها المنظمة حتى الآن.
كلمتان تستحقان التوقف: «الأطر» و«الآليات». الأولى توحي بمرجعية عامة تحكم العلاقة بين الأعضاء والشركاء. والثانية توحي بأدوات عملية تُفعَّل عند الحاجة. غير أن الخبر، بحسب ما نُشر، لا يفصّل أياً منها.
كما أن التصريح تناقلته وسيلة إعلام جزائرية، وهو أمر مفهوم بحكم أن الإعلان يحمل اسم بلدها. لكنه يجعل القارئ يتساءل عن سياق المناسبة التي قيلت فيها الجملة، وعن الجمهور الذي وُجهت إليه.
أين الفراغ في الخبر؟
الفراغ كبير. فالخبر لا يذكر أي بند من بنود الإعلان، ولا يحدد أي آلية بالاسم، ولا يقدم مثالاً على قرار حديث استند إلى هذه الأطر.
وحين يقال إن شيئاً «يُفعَّل إلى اليوم» دون أن يُذكر كيف، يصبح الحكم عليه مسألة ثقة لا مسألة تحقق. قد يكون التصريح دقيقاً تماماً. لكن الصحافة لا تكتفي بأن يكون الكلام معقولاً، بل تطلب ما يسنده.
ثم هناك مسألة النبرة. الأمناء العامون للمنظمات عادة يؤكدون استمرارية مؤسساتهم، وهذا جزء من وظيفتهم. فهل نحن أمام توصيف محايد لواقع تنظيمي، أم أمام تذكير بدور تاريخي في لحظة يُراد فيها تثبيت هذا الدور؟ الخبر لا يجيب.
لماذا يهمّ هذا القارئ المغربي؟
المغرب ليس عضواً في «أوبك»، ولا يرد في المعطى أي ذكر له. لذلك لا يجوز أن نزعم أن هذا التصريح يغيّر شيئاً مباشراً في حياة المغاربة.
لكن المغربي يتعامل يومياً مع نتائج قرارات هذه المنظمة وغيرها من دون أن يراها. سعر الوقود في المحطات يتأثر بمسار الأسعار العالمية للطاقة، والمملكة بلد مستورد للمحروقات. وأي حديث عن آليات تنظيم في سوق النفط يمسّ، من بعيد، الفاتورة التي يتحملها الاقتصاد الوطني.
وهنا يكمن الفرق بين خبر يبدو مؤسساتياً بحتاً وأثر يصل إلى جيب المستهلك. الحلقة بين الأول والثاني طويلة ومعقدة، ولا يكشفها تصريح من سطر واحد.
من يستفيد من استحضار الإعلان؟
أول المستفيدين، منطقياً، من يحمل الإعلان اسمه. فحين تذكّر منظمة دولية بأن وثيقة ارتبطت ببلد ما ما زالت حية في عملها، فهذا اعتراف يحمل قيمة رمزية لذلك البلد. وهو ما يفسر على الأرجح اهتمام التلفزيون الجزائري بالتصريح.
والمستفيد الثاني هو المنظمة نفسها. فالتأكيد على أن لديها أطراً مستقرة وآليات فاعلة يبعث رسالة طمأنة: نحن لا نرتجل، ولنا قواعد.
أما المستفيد الثالث، وهو الأقل وضوحاً، فهو القارئ إن قُدّمت له التفاصيل. لكن التفاصيل غائبة حتى الآن.
سؤال لا يمكن تجاهله
كيف تُقاس فعالية «آليات» لا نعرف ما هي؟ وكيف نميّز بين إطار يحكم القرار فعلاً وإطار يُستحضر في الخطب عند المناسبات؟
لا يوجد في المعطى ما يسمح بالجزم في أي اتجاه. وأي ادعاء بأن الإعلان ناجح أو فاشل سيكون اختلاقاً. كل ما نعرفه أن الأمين العام يقول إنه حي، وأن وسيلة إعلام جزائرية نقلت ذلك.
الخطوة التالية المنطقية لأي متابع جاد هي مطالبة المنظمة بالأمثلة: أي قرار؟ أي اجتماع؟ أي آلية استُخدمت ومتى؟ فالتصريحات التي لا تُتبع بأمثلة تظل عرضة للتأويل أكثر مما تستحق.
وفي بلد مثل المغرب، يتابع أسعار الطاقة بقلق كلما ارتفعت، يبقى السؤال الأهم عملياً: هل تحمي هذه الأطر والآليات المستهلكين من تقلبات السوق، أم تحمي فقط توازنات المنتجين؟
إن كانت الآليات حية إلى هذا الحد، فلماذا لا يعرف المواطن العادي عنها شيئاً؟







اترك تعليقاً