أوقفت النيابة المغربية عمدة طنجة للتحقيق معه في خروقات انتخابية، بحسب ما نقله موقع «الجزيرة نت». الخبر قصير في صياغته، لكنه ثقيل في وقعه، لأن الموقوف هو رئيس المجلس الجماعي لثاني قطب اقتصادي في البلاد، لا موظف في هامش الإدارة. والسؤال الذي يطرحه أهل المدينة قبل غيرهم: ما طبيعة هذه الخروقات، وإلى أين يمضي التحقيق؟
ما الذي نعرفه فعلاً؟
القليل، ويجب أن يُقال ذلك بوضوح. المتاح في المعطى ثلاث وقائع: النيابة هي الجهة التي تحركت، والمعني بالأمر هو عمدة طنجة، والسبب المعلن هو التحقيق في خروقات انتخابية.
لا شيء غير ذلك. لا تفاصيل عن الوقائع المنسوبة إليه، ولا عن الاستحقاق الانتخابي المقصود، ولا عن وجود متابعين آخرين في الملف. ولم يرد في المعطى أي موقف للمعني بالأمر أو لدفاعه.
التوقيف للتحقيق إجراء مسطري، وليس حكماً ولا إدانة. الأصل في القانون أن المشتبه فيه بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي. وأي قراءة تقفز فوق هذه القاعدة تخدم الإثارة لا الحقيقة.
طنجة ليست مدينة عادية
حين يتعلق الأمر بعمدة طنجة، يتجاوز الخبر حدود الشأن المحلي. المدينة ذات ثقل اقتصادي معروف، فهي تحتضن ميناء طنجة المتوسط ومناطق صناعية كبرى، وتُسوَّق باعتبارها واجهة المغرب نحو أوروبا. وكل اهتزاز في قمة مجلسها الجماعي يُقرأ خارج أسوارها أيضاً.
لكن القارئ الطنجي يسأل سؤالاً أبسط وأقرب: من يسيّر شؤون المدينة إذا تعطلت القيادة؟ وهل تتأثر ملفات التعمير والنظافة والنقل والصفقات التي يتولاها المجلس؟ المعطى لا يجيب عن شيء من هذا، ولا يجوز أن نجيب نحن عنه بالتخمين.
أين الفجوة؟
عبارة «خروقات انتخابية» فضفاضة. قد تشير إلى وقائع تتصل بالحملة، أو بالتمويل، أو بالتصويت نفسه، وقد تكون شيئاً آخر تماماً. والفرق بين هذه الاحتمالات ليس تفصيلاً، فهو يحدد حجم القضية ودلالتها ومصير من يتصل بها.
وهنا تظهر فجوة بين المعلن والمعروف. المعلن أن رأس المجلس موضوع تحقيق، أما ما يجهله الرأي العام فهو الوقائع محل التحقيق، وموقع العمدة منها، وهل هو محورها أم طرف فيها. الخبر يعطي العنوان ويحجب المتن.
من المستفيد من الغموض؟
السؤال مشروع وإن لم يكن له جواب اليوم. فحين تغيب التفاصيل، تملأ الشائعات الفراغ. كل طرف سيقرأ التوقيف بما يوافق حساباته: مؤيد يراه دليلاً على جدية المحاسبة، ومعارض يراه ورقة سياسية، وثالث يراه بداية سلسلة. وليس في المعطى ما يرجّح أياً من هذه القراءات.
المستفيد الوحيد من الشفافية هو المواطن. وحده يحتاج إلى معرفة ما جرى، لأن الانتخابات في نهاية المطاف عقد بينه وبين من اختارهم، وأي خلل في نزاهتها يمسّ هذا العقد قبل أن يمس أي شخص.
ما الذي يتغير عند القارئ؟
على المدى القريب، ربما لا شيء ملموساً في الحياة اليومية: الحافلات تسير، والأزبال تُرفع، والأوراش تستمر. لكن على المدى الأبعد، الأمر يتوقف على ما سيُعلن لاحقاً. إن أفضى التحقيق إلى متابعة، فسنكون أمام اختبار لقدرة المؤسسات على ملاحقة الخروقات الانتخابية عندما تصل إلى مسؤول من الوزن الثقيل. وإن انتهى بالحفظ، فسيحتاج الرأي العام إلى تفسير مقنع لا إلى صمت.
وفي الحالتين، ثمة سؤال إجرائي ينتظر جواباً رسمياً: متى يصدر بلاغ يوضح ما يمكن توضيحه دون المساس بسرية البحث؟ فالسرية القضائية حق، لكن ترك مدينة كاملة تتابع مصير عمدتها عبر عناوين مقتضبة ليس من الحكمة في شيء.
ما الذي يجب انتظاره؟
ثلاثة أمور تحدد اتجاه القضية: بلاغ رسمي من النيابة يفصّل طبيعة الأفعال، وموقف المعني بالأمر ودفاعه، وقرار يحسم مآل التحقيق. إلى أن يحدث ذلك، الحذر واجب، والحماسة للإدانة أو للتبرئة سابقة لأوانها.
ويبقى أن الصحافة ملزمة بالتمييز بين ما نُشر وما ثبت. وما نُشر حتى الآن، بحسب «الجزيرة نت»، هو توقيف وتحقيق. أما الحقيقة الكاملة فلم تُكتب بعد.
فإذا كانت الخروقات الانتخابية تُلاحق اليوم في قمة هرم مجلس طنجة، فمن يضمن ألا تكون أعمق مما يبدو؟ وإذا لم تكن كذلك، فمن يعوّض مدينة كاملة عن أيام من الشك؟







اترك تعليقاً