نشر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الثلاثاء، على حسابه في منصة «تروث سوشيال» اتفاقاً وُقّع مع كبرى شركات التكنولوجيا لإجراء مراجعات على أنظمة الذكاء الاصطناعي. الاتفاق يفتح الباب أمام تنظيم مستقبلي، لكنه لا يفرض شيئاً في الوقت الراهن. فما قيمة اتفاق يقوم على الطوعية في قطاع يتسابق فيه اللاعبون على السرعة قبل كل شيء؟
ما الذي نُشر فعلاً؟
بحسب ما نُشر، جاء الاتفاق في صيغة إعلان على منصة يملكها ترمب نفسه، لا في مؤتمر صحفي ولا عبر قانون صادر عن الكونغرس. وهذه التفصيلة وحدها تستحق التوقف عندها، لأن قناة النشر تكشف طبيعة الوثيقة: إعلان سياسي أكثر منه نصاً تشريعياً.
المعطى المتاح يقول إن الاتفاق يركز على أربع خطوات طوعية تتخذها الشركات. كلمة «طوعية» هي مفتاح القصة كلها. فالشركات لا تُلزَم بشيء، وإنما تتعهد بإجراءات تقرر هي مدى الالتزام بها. وفي الوقت نفسه يترك النص نافذة مفتوحة لتنظيم لاحق، دون أن يحدد، في ما ورد إلينا، موعده أو شكله أو الجهة التي ستتولاه.
أما ما لم يرد في المقتطف المتاح فكثير: لم يتضح ما الخطوات الأربع بالتفصيل، ولا أسماء الشركات كلها، ولا من سيجري المراجعات، ولا ما الذي سيحدث إذا كشفت مراجعة ما عن خلل خطير في نظام ما.
المراجعة: من يراجع من؟
كلمة «مراجعات» توحي بعين خارجية تفحص وتدقق. لكن الخبر لا يوضح إن كانت المراجعات ستُجرى داخل الشركات، أم بواسطة جهات مستقلة، أم عبر أجهزة حكومية. والفرق بين الثلاثة هائل.
مراجعة تجريها الشركة على منتجها تشبه تلميذاً يصحح ورقته بنفسه. ومراجعة مستقلة تعني أن أحداً قادراً على قول «لا» لمنتج جاهز للإطلاق. وبين الحالتين مسافة تفصل بين الشكل والمضمون.
ما الذي يغيّره الاتفاق في سلوك الشركات؟
من الناحية العملية، ربما لا شيء كثير على المدى القريب. فالتعهد الطوعي لا تصاحبه عقوبة معلنة في ما وصلنا من الخبر. غير أن قيمته الرمزية حقيقية: شركات متنافسة جلست إلى الطاولة نفسها ووافقت على مبدأ أن أنظمتها تستحق الفحص. وهذا اعتراف ضمني بأن الرقابة لم تعد ترفاً.
أين الخلل؟
هنا تبدأ الأسئلة الصعبة. كيف يتفق خطاب الرقابة مع اتفاق يترك القرار للشركات ذاتها؟ وكيف يُطمئن الاتفاقُ الرأيَ العام إذا كانت أدوات قياس الالتزام غير معلنة؟
والسؤال الآخر: لماذا الآن؟ الخبر لا يجيب، ولن نخترع جواباً من عندنا. لكن من حق القارئ أن يلاحظ أن الاتفاق يمنح الطرفين مكسباً: الحكومة تظهر بمظهر من يتحرك، والشركات تظهر بمظهر من يتعاون، وكلاهما يتجنب في الوقت الحاضر قيوداً ملزمة قد تبطئ السباق.
ثم هناك عبارة «التنظيم المستقبلي». المستقبل في السياسة مطاط. قد يعني أشهراً وقد يعني سنوات، وقد لا يأتي أبداً إن أثبتت الخطوات الطوعية، أو ادّعت، أنها كافية.
من يربح ومن ينتظر؟
الرابح الأول هو الشركات الكبرى، لأن الاتفاق يمنحها فرصة رسم ملامح الرقابة قبل أن يرسمها غيرها. من يضع القواعد الأولى الطوعية غالباً ما يكون له وزن حين تُكتب القواعد الملزمة.
أما الخاسر المحتمل فهو المستخدم العادي، الذي يتعامل مع هذه الأنظمة يومياً دون أن يعرف ما فُحص فيها وما لم يُفحص.
وماذا عن القارئ المغربي؟
المغربي الذي يستعمل مساعدات الذكاء الاصطناعي في عمله ودراسته ومعاملاته الرقمية يستهلك منتجات صُنعت وراء المحيط، وتخضع لقواعد لا يشارك في صياغتها. أي مراجعة تُجرى في الولايات المتحدة ستنعكس على الأدوات التي تصله، تحسناً أو إهمالاً، دون أن يكون له صوت في ذلك.
وهذا يطرح سؤالاً محلياً: هل ينتظر المغرب ما يقرره الآخرون، أم يبدأ بصياغة تصوره الخاص لحماية بيانات مواطنيه واستعمال هذه الأنظمة في إداراته ومدارسه؟ الخبر لا يتناول المغرب، لكن أثره يصله في النهاية.
سباق بلا حكم
يبقى جوهر المسألة في التوازن بين أمرين متعارضين: رغبة الدول في عدم كبح الابتكار، وخشيتها من أنظمة تتطور أسرع من فهمنا لها. الاتفاق الجديد يحاول الجمع بينهما بأخف صيغة ممكنة: خطوات أربع، وطوعية، وبلا سقف زمني معلن في ما نُشر.
قد يكون هذا بداية معقولة، فكثير من القوانين الكبرى بدأ بتفاهمات غير ملزمة. وقد يكون أيضاً مجرد غطاء أنيق يمنح الجميع وقتاً إضافياً. الفارق بين الاحتمالين لن تحسمه البيانات الصحفية، وإنما ما سيحدث حين تكتشف مراجعة ما خللاً مكلفاً.
فإذا كانت الشركات هي التي تتعهد وهي التي تنفذ وهي التي تقيّم، فمن الذي سيصفّر للحكَم حين يخطئ اللاعب؟







اترك تعليقاً