بحسب ما نشره موقع «النهار»، تدخل أجهزة الهاتف الخليوي إلى السجون اللبنانية عبر التهريب، رغم أن حيازتها داخل الزنازين ممنوعة أصلاً. المعطى المتاح قصير، لكنه يكفي لفتح سؤال ثقيل: إذا كان الجهاز الصغير يعبر الأسوار والأبواب والتفتيش، فمن يفتح له الطريق؟
الخبر، كما ورد، لا يقدّم أرقاماً ولا أسماء ولا تفاصيل عن عدد الأجهزة المضبوطة أو الأسجن المعنية. ولذلك سنلتزم بما قيل فقط، ونسأل عمّا لم يُقل.
ما الذي قيل فعلاً؟
الفكرة المركزية واحدة: التهريب هو الباب الذي تمرّ منه الهواتف إلى داخل السجون في لبنان. لا أكثر من ذلك في المقتطف المتوفر.
لكن هذه الجملة وحدها تحمل اعترافاً ضمنياً. فالمنع قائم، والرقابة موجودة نظرياً، ومع ذلك يصل الجهاز إلى يد السجين. أي أن الفجوة بين النص القانوني والواقع داخل المؤسسة السجنية ليست نظرية، بل عملية ويومية.
والهاتف في السجن ليس مجرد وسيلة للاطمئنان على الأهل. هو نافذة مفتوحة على الخارج بلا رقابة: مكالمات لا تمرّ عبر الإدارة، ورسائل لا يقرؤها أحد، وتواصل لا يعرف المسؤولون مع من ولا لماذا. هذا ما يجعل المسألة أمنية قبل أن تكون إدارية.
أين الخلل؟
الخبر لا يجيب، لكن الأسئلة تفرض نفسها.
كيف يصل الجهاز إلى الداخل؟ عبر الزائرين؟ عبر الطرود؟ عبر العاملين؟ المقتطف لا يحدد، وأي جواب جازم هنا سيكون تخميناً لا تقريراً.
ومن يتحمل المسؤولية حين يُضبط هاتف داخل زنزانة؟ السجين الذي حازه؟ أم من أدخله؟ أم منظومة مراقبة سمحت بمروره؟ هذه الحلقات الثلاث لا تعمل منفصلة، فالتهريب المتكرر لا ينجح غالباً بمحض الصدفة.
ثم هناك سؤال الاكتظاظ. السجون التي تضيق بنزلائها تضعف فيها المراقبة بطبيعة الحال، لكن هذه ملاحظة عامة عن بيئة السجون، وليست معلومة وردت في الخبر، ولا ينبغي تحميله ما لم يقله.
من يربح من الهاتف المهرَّب؟
حين يكون الممنوع مطلوباً، يصبح له سوق. هذه قاعدة اقتصادية معروفة في أي بيئة مغلقة. لكن الخبر لا يذكر أسعاراً ولا شبكات ولا وسطاء، فلا يمكن الجزم بوجود تجارة منظمة أو بحجمها.
ما يمكن قوله بأمانة هو أن المستفيد الأول ظاهرياً هو السجين الذي يحصل على قناة اتصال خارج الرقابة. أما المستفيد الخفي، إن وُجد، فهو كل من يتقاضى مقابلاً عن غضّ الطرف. وهذا افتراض يحتاج إلى تحقيق، لا إلى استنتاج.
وماذا يعني هذا للقارئ المغربي؟
قد يبدو الخبر بعيداً جغرافياً، لكنه يلامس سؤالاً مألوفاً في كل بلد: هل يكفي المنع القانوني لضبط فضاء مغلق؟
المغرب، مثل غيره، يعرف النقاش حول أوضاع السجون وسبل تحديثها ومراقبتها. غير أن المعطى اللبناني لا يقول شيئاً عن الحالة المغربية، ولا يصح استعماله للمقارنة أو الاتهام. قيمته في أنه يذكّر بأن أي منظومة رقابة تُقاس بثغراتها لا بنصوصها.
والتقنية هنا عنصر حاسم. جهاز بحجم الكف يمكن إخفاؤه في أماكن يصعب تفتيشها، وهذه حقيقة تقنية معروفة. كلما صغر الجهاز زادت صعوبة كشفه، وكلما زاد الطلب عليه زاد إغراء إدخاله.
الفجوة بين المعلن والواقع
المعلن أن السجن مكان معزول يخضع لسلطة الدولة. الواقع الذي يلمّح إليه الخبر أن العزل قابل للاختراق بأبسط الأدوات.
فكيف يستقيم الحديث عن ضبط كامل للمؤسسة السجنية مع هاتف يصل إلى الزنزانة؟ وكيف تُطمأن الجهات المعنية الرأي العام إلى أمن السجون، بينما يتحدث الخبر نفسه عن تهريب يدخل بانتظام؟ كلمة «تدخل» في العنوان بصيغة المضارع تفيد الاستمرار، وهي بحد ذاتها ما يستدعي التوقف.
الحلول المطروحة عادة في مثل هذه الحالات، من أجهزة كشف وتشويش وتشديد التفتيش، لم ترد في المقتطف، ولا يمكن نسبة أي منها إلى جهة بعينها. المؤكد فقط أن التهريب مستمر، وأن الجدار الذي يفترض أن يفصل الداخل عن الخارج ليس محكماً.
سؤال يبقى معلقاً
إذا كان هاتف واحد قادراً على عبور كل هذه الحواجز، فماذا عن الحواجز نفسها؟ وهل المشكلة في الجهاز الذي يدخل، أم في اليد التي تسمح له بالدخول؟
وحين يرنّ هاتف في زنزانة ممنوعة عليه، من الذي كان يفترض به ألا يسمع الرنين؟







اترك تعليقاً