طرح موقع «attasiaa.com» في مادة تحت قسم الاقتصاد سؤالاً يتردد في الأسواق المغربية منذ مدة: إلى متى سيستمر غلاء اللحوم الحمراء؟ العنوان وحده يكشف أن المسألة لم تعد ظرفاً عابراً يُنتظر زواله، بل صارت همّاً يومياً عند الأسر في المدن والقرى. والسؤال الذي يلي: هل ننتظر انفراجاً قريباً، أم أن الأسعار المرتفعة صارت هي القاعدة الجديدة؟
وللأمانة، فإن المقتطف المتاح من المادة لا يتضمن أرقاماً ولا تواريخ ولا تصريحات محددة، ولذلك سنتوقف عند ما يطرحه السؤال من إشكالات، وعند ما هو معروف عموماً عن هذا الملف.
سؤال بلا جواب في العنوان
حين تختار منصة إخبارية صيغة «إلى متى؟» فهي تعترف ضمنياً بأمرين: أن الغلاء قائم فعلاً، وأن لا أحد يملك موعداً واضحاً لانتهائه. وهذا ما يشعر به المستهلك عند الجزار. يدخل بميزانية، ويخرج بكمية أقل مما اعتاد، أو بقطعة أرخص، أو بلا لحم أصلاً.
اللحم الأحمر في المغرب ليس سلعة كمالية بالمعنى الصارم. هو حاضر في الوجبات الأسبوعية، وفي المناسبات العائلية، وفي موائد رمضان، وفي طقوس عيد الأضحى. لذلك يتحول كل ارتفاع في سعره إلى حديث عام، لا إلى مجرد رقم في نشرة اقتصادية.
ما الذي يفسر الغلاء عادةً؟
المتداول في النقاش العمومي المغربي حول أسعار اللحوم يدور حول عناصر معروفة: كلفة الأعلاف، وتأثير سنوات الجفاف على الماشية والمراعي، وتعدد الوسطاء بين مربي الماشية والمستهلك، وضغط الطلب في فترات الذروة. هذه عوامل متداخلة، ولا يكفي واحد منها لتفسير الصورة كاملة.
لكن المقتطف الذي بين أيدينا لا يحدد أي هذه العوامل يعتمد عليه الخبر، ولذلك لا نستطيع أن ننسب إلى المادة تفسيراً بعينه. ما نستطيع قوله إن السؤال المطروح يفترض أن للغلاء أسباباً ممتدة، وإلا لما كان الحديث عن «استمراره».
المربّي والجزار والمستهلك
سلسلة اللحوم تمر بحلقات: مربٍّ، فسوق أسبوعي أو تاجر ماشية، فمجزرة، فجزار، فمستهلك. وكل حلقة تضيف كلفة أو هامش ربح. حين يرتفع السعر النهائي، يصعب على المواطن أن يعرف أين تحديداً وقعت الزيادة.
وهنا يبرز الإشكال الأول: الشفافية. هل يعرف المستهلك كيف يتوزع الدرهم الذي يدفعه بين هذه الحلقات؟ الخبر في صيغته المتاحة لا يجيب، ونحن لا نملك معطى يسمح بالجزم.
أين الفجوة؟
الفجوة التي تستحق السؤال هي تلك بين الخطاب والواقع. كثيراً ما يُسمع في المغرب كلام عن دعم القطيع الوطني، وعن تنظيم السوق، وعن مراقبة الأسعار. لكن المواطن يقيس الأمور بما يجده على ميزان الجزار لا بما يُقال في البلاغات.
لا نملك في المعطى ما يثبت أي إجراء بعينه أو يقيّم نتائجه، فلن نختلق ذلك. غير أن السؤال يظل مشروعاً: كيف يتفق استمرار الغلاء مع كل ما قيل عن تأمين التموين وضبط السوق؟ وإن كانت الإجراءات قد اتُّخذت فعلاً، فلماذا لم يلمس أثرها من يشتري بالكيلوغرام؟
من يربح ومن يدفع؟
حين ترتفع الأسعار لا يخسر الجميع بالقدر نفسه. الأسرة محدودة الدخل تدفع النسبة الأكبر من ميزانيتها، لأن الغذاء يستهلك جزءاً كبيراً من دخلها. أما الأسر الميسورة فتتأثر أقل وتتكيف أسرع.
أما المستفيد، فلا يمكن تسميته دون أدلة. قد يكون المربي الذي ينتظر سنوات ليعوّض خسائره، وقد يكون الوسيط الذي يتحكم في الحلقة الأوسط. وقد لا يكون أحد منهما. وهذا بالضبط ما يجعل الحاجة إلى معطيات دقيقة ملحّة: بدونها يبقى الاتهام العشوائي بديلاً عن الحقيقة.
ماذا يتغير في مطبخ المغربي؟
التغيير الأول يحدث بصمت: يتقلص حضور اللحم الأحمر في الوجبات، ويحل محله الدجاج أو السمك أو القطاني. هذا تحول في العادات الغذائية يفرضه الجيب لا الاختيار. والتغيير الثاني نفسي: يصير شراء اللحم قراراً محسوباً بعد أن كان عادة عادية.
ثم هناك المناسبات. فالأسرة المغربية التي اعتادت أن تُكرم ضيوفها بطبق لحم تجد نفسها أمام معادلة محرجة بين التقاليد والإمكانات.
ما الذي لم يُقَل؟
يبقى في الخبر، كما وصلنا، ثلاثة أسئلة بلا جواب: ما حجم الارتفاع مقارنة بمرحلة سابقة؟ ما العامل الأثقل وزناً في الغلاء؟ وهل هناك أفق زمني معلن لأي انفراج؟ من دون هذه الأجوبة يظل عنوان «إلى متى؟» سؤالاً مفتوحاً يتجدد عند كل زيارة للجزار.
وربما المفارقة الأكبر أن الجميع يتحدث عن الغلاء، والجميع يعرف أنه موجود، ومع ذلك لا أحد يقدم للمواطن موعداً أو مسؤولاً أو خطة يمكن محاسبتها. فإذا كان السؤال «إلى متى؟» يتكرر كل موسم، فمتى يحين الوقت لنسأل «من الذي سيجيب؟»







اترك تعليقاً