استهلاك يتسارع واستثمار يتباطأ: أي اقتصاد يُبنى في المغرب؟

استهلاك يتسارع واستثمار يتباطأ: أي اقتصاد يُبنى في المغرب؟

عنوان الخبر الذي نشره موقع هسبريس يختصر المفارقة في سطر واحد: مؤشرات الاقتصاد المغربي تكشف زخماً استهلاكياً وتباطؤاً مقلقاً للاستثمار. الأسر تواصل الإنفاق، بينما تتراجع وتيرة ضخّ الأموال في المشاريع التي يُفترض أن تخلق الوظائف وتصنع الثروة غداً. المعطى المتاح هو العنوان ومقتطف قصير منه، ولا يتضمن أرقاماً مفصلة ولا أسماء جهات أصدرت هذه المؤشرات، وهذا بحد ذاته جزء من القصة.

فهل يكفي أن يشتري المغاربة كي يستمر الاقتصاد في النمو؟ وماذا يحدث حين يتعب المحرّك الآخر؟

ما الذي قاله الخبر فعلاً؟

بحسب ما نشرته هسبريس، تُظهر المؤشرات الاقتصادية صورة بوجهين. الوجه الأول إيجابي في ظاهره: استهلاك قوي يعكس حركة في الأسواق وطلباً داخلياً لم ينطفئ. الوجه الثاني وصفه الخبر بأنه «مقلق»: الاستثمار يتباطأ.

الكلمة المختارة مهمة. الصحافة الاقتصادية لا تستعمل «مقلق» لوصف تراجع عابر. إنها تشير إلى اتجاه يستدعي الانتباه، وإلى خطر قد يتراكم إن لم يُعالج. لكن المقتطف المتاح لا يحدد حجم التباطؤ، ولا الفترة المقارَنة، ولا القطاعات المعنية، ولا إن كان الاستثمار المقصود عمومياً أو خاصاً أو أجنبياً.

لماذا يُعدّ هذا التوازن هشّاً؟

الاستهلاك والاستثمار ليسا خانتين متنافستين في الحسابات الوطنية، بل رجلان يمشي عليهما الاقتصاد. الاستهلاك يحرّك الطلب اليوم. الاستثمار يحدد قدرة البلاد على الإنتاج وتشغيل الناس غداً. حين تقوى الأولى وتضعف الثانية، يمشي الاقتصاد بخطى غير متوازنة، وقد يسير بسرعة لفترة قبل أن يتعثر.

وثمة سؤال يخص الجيب المغربي مباشرة. إذا كان الاستهلاك هو ما يدفع النشاط، فمن أين يأتي تمويله؟ من دخل يتحسن فعلاً، أم من ادخار يتآكل، أم من قروض تتراكم؟ الخبر في صيغته المتاحة لا يجيب، ومن دون هذه الإجابة يبقى «الزخم» كلمة تحتمل التفاؤل والتحذير معاً.

أين الفجوة بين الصورة والواقع؟

الأسواق المزدحمة لا تعني بالضرورة اقتصاداً يبني قدرته. قد يستهلك الناس أكثر لأن الأسعار ارتفعت، فتتضخم قيمة الإنفاق دون أن يزيد ما يُشترى. وقد يكون الاستهلاك قوياً في المواد المستوردة، فيستفيد منه الخارج أكثر مما يستفيد منه الإنتاج المحلي. هذه احتمالات لا وقائع، والمعطى لا يؤكد أياً منها، لكنها أسئلة ينبغي أن تُطرح كلما قُدّم الاستهلاك دليلاً على العافية.

ثم إن الاستثمار هو الحلقة التي تربط الاقتصاد بسوق الشغل. مقاولة لا تستثمر لا توظف. وورش لا ينطلق لا يشغّل مهندساً ولا عاملاً ولا مورّداً. فكيف يتفق استهلاك نشيط مع استثمار متردد؟ ربما يعني ذلك أن المستثمرين ينتظرون وضوحاً في الأفق، وربما أن كلفة التمويل تثقل عليهم، وربما أمراً آخر لم يرد في الخبر. لكن غياب التفسير في العنوان لا يلغي الحاجة إليه.

من يربح ومن ينتظر؟

المستفيد المباشر من الاستهلاك القوي هو التاجر والموزع وقطاع الخدمات، أي كل من يعيش على الطلب الآني. أما المنتظر فهو الشاب الباحث عن عمل، والمقاول الصغير الذي يحتاج إلى طلبيات عمومية أو خاصة، والجهات التي تعوّل على المشاريع لتغيير وجهها.

وهنا يتبدل معنى الخبر عند القارئ العادي. هو لا يرى معدلات الاستثمار في حياته اليومية، لكنه يلمس نتيجتها بعد سنوات: فرصة عمل تظهر أو لا تظهر، وأجر يرتفع أو يراوح مكانه، ومدينة تتسع فيها الأنشطة أو تضيق.

أسئلة لم تُطرح بعد

يترك المقتطف المتاح أسئلة مفتوحة، ومنها:

– ما حجم التباطؤ بالضبط، وبالمقارنة مع أي فترة؟ – هل يمس الاستثمار العمومي أم الخاص، أم كليهما؟ – هل الاستهلاك مدعوم بالدخل أم بالاقتراض؟ – ما القطاعات التي تراجعت فيها المشاريع أكثر من غيرها؟

لا يمكن الحكم على خطورة الوضع قبل معرفة هذه التفاصيل. ويبقى من المنطقي انتظار المؤشرات الكاملة قبل الجزم، دون أن يعني ذلك تجاهل الإشارة التي حملها الخبر.

معادلة لا تستقيم طويلاً

الاقتصادات التي تعتمد على الطلب وحده تشبه بيتاً يُطلى جداره بينما تُؤجَّل أعمدته. المنظر جيد في الصيف، والاختبار يأتي مع أول عاصفة. وإذا صحّ أن الاستثمار يتباطأ فعلاً، فإن السؤال لن يكون عن حجم ما يشتريه المغاربة اليوم، بل عن حجم ما سيُنتج لهم غداً.

فإلى متى يستطيع اقتصاد أن يعيش على ما يُنفَق، قبل أن يسأل عمّا يُبنى؟

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية