نشر موقع Vietnam.vn خبراً يقول إن خبراء يرون ثلاث مجموعات من المهن يصعب على موجة الذكاء الاصطناعي أن تحلّ محلها. الخبر موجّه أساساً إلى القارئ الفيتنامي، لكن السؤال الذي يطرحه عابر للحدود: من يملك أن ينام مطمئناً، ومن عليه أن يبدأ التعلّم من جديد؟
المقتطف المتاح من الخبر قصير. يكتفي بالإشارة إلى وجود ثلاث مجموعات من المهن «من غير المرجح» استبدالها، دون أن يعرض في ما بين أيدينا أسماء الخبراء أو تفاصيل المجموعات أو المنهج الذي اعتمدوه. ولهذا سأتحرى هنا الدقة: لن أنسب إلى أحد قولاً لم يرد، ولن أخمّن ما لم يُذكر.
ما الذي قيل بالضبط؟
الوارد في المعطى ثلاثة أمور فقط. أولها أن هناك خبراء يتحدثون عن الأمر. وثانيها أن المهن مصنّفة في ثلاث مجموعات لا في قائمة مفتوحة. وثالثها أن الصياغة حذرة: «غير مرجح»، لا «مستحيل».
هذا الحذر ليس تفصيلاً لغوياً. فالعبارة تعني أن الاحتمال قائم وإن كان ضعيفاً، وأن التوقع قابل للمراجعة كلما تطورت الأدوات. وهي أيضاً تفرّق بين الاستبدال الكامل وإعادة تشكيل المهنة من الداخل، وهذا فارق يغيب عن كثير من العناوين المتداولة حول الموضوع.
من يربح من هذا النوع من الأخبار؟
أخبار «المهن الآمنة» تُقرأ بنهم لأنها تعد القارئ بالطمأنينة. لكن الطمأنينة سلعة رائجة، وكل من يبيع دورة تدريبية أو منصة تعلّم يعرف ذلك. فالقائمة التي تُطمئن اليوم قد تتحول غداً إلى مادة تسويقية تقول لك: ادفع لتبقى في المجموعة الآمنة.
ولا أقول إن الخبر الذي ننقله من هذا الصنف، فالمعطى لا يسمح بالحكم. لكن القارئ الحصيف يسأل دائماً: على أي أساس صُنّفت هذه المهن؟ هل هو تحليل للمهام داخل كل وظيفة، أم انطباع عام؟ وهل الخبراء باحثون مستقلون أم جهات لها مصلحة في الترويج لتقنية بعينها؟ هذه الأسئلة لم يجب عنها المقتطف.
الفجوة بين التصنيف والسوق
حتى لو سلّمنا بأن مجموعة من المهن أبعد عن الأتمتة، يبقى سؤال آخر لا تحسمه القوائم: هل تضمن المناعة التقنية الأجر الجيد والاستقرار؟ مهنة قد تعجز الآلة عن أداء جوهرها، لكن قد تُضغط أجورها لأن الآلة تتولى الأعمال المساعدة حولها، فيقلّ عدد من تحتاجهم المؤسسات. الاستبدال ليس السيناريو الوحيد. هناك أيضاً التقليص والتجميع وتخفيض القيمة.
ثم إن نتائج الخبراء تُبنى عادة على أسواق عمل بعينها. فيتنام ليست المغرب، وبنية التشغيل عندنا لها خصوصياتها: حضور واسع للعمل غير المهيكل، ومراكز نداء وخدمات تعهيد تشغّل شباباً كثيرين، وحرف تقليدية تعيش على الزبون المباشر. فهل تنطبق خلاصة فيتنامية على سوق لا يشبهها؟ الخبر لا يقول، ولا يجوز لنا أن نجيب نيابة عنه.
ماذا يعني هذا للقارئ المغربي؟
ما يمكن قوله بأمانة أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي انتقل من سؤال «هل سيأخذ وظائفنا؟» إلى سؤال أدق: أي وظائف، وبأي سرعة، وبأي ثمن؟ وهذا بحد ذاته تحول مهم في الطرح، لأنه يخرج من الخوف العام إلى التفكير في تفاصيل المهام.
وللقارئ أن يختبر مهنته بنفسه بأسئلة بسيطة. كم من عملي تكرار يمكن وصفه بخطوات ثابتة؟ وكم منه حكم بشري وتعامل مباشر مع الناس وقرار في موقف غير متوقع؟ كلما زاد الجزء الثاني، قلّ ما تستطيع الآلة أخذه. هذه قاعدة عامة معروفة في نقاشات الأتمتة، وليست مأخوذة من الخبر.
سؤال يتجاوز القوائم
الأخطر من أي تصنيف أن يتحول إلى مصدر راحة كاذب. فمن يقرأ أن مهنته «آمنة» قد يتوقف عن تطوير نفسه، وهو بالضبط ما يجعله هشاً حين تتغير الأدوات. والسوق لا ينتظر من يطمئن إلى القوائم.
وفي المغرب، حيث يتحدث الجميع عن التكوين والتأهيل وملاءمة المهارات مع حاجات السوق، يبقى السؤال معلقاً: هل لدينا من يرسم لنا خريطة مغربية لهذه المهن، بأرقام محلية وبمنهج معلن؟ أم سنظل نستورد الطمأنينة من تقارير كُتبت لسوق آخر، ثم نتساءل لماذا لم تصدق؟







اترك تعليقاً