تجاوزت الكتلة النقدية في المغرب عتبة 2200 مليار درهم، بحسب ما نشره موقع «أنوار بريس»، في مؤشر جديد على أن السيولة المتداولة في الاقتصاد الوطني تواصل صعودها. رقم ضخم، يوحي للوهلة الأولى بنقود وفيرة تجري في شرايين الاقتصاد. لكن هل يعني اتساع الكتلة النقدية أن جيب المواطن صار أوسع؟
ماذا تقيس الكتلة النقدية أصلاً؟
الكتلة النقدية مؤشر يجمع ما هو متداول من نقود في الاقتصاد: الأوراق والقطع المتداولة، والودائع تحت الطلب، وأشكال أخرى من الأموال القابلة للتحويل بسرعة إلى سيولة. وهي بهذا المعنى ليست «كنزاً» مكدساً في خزانة، بل صورة عن حجم الأموال التي يمكن للأسر والشركات استعمالها في الإنفاق والادخار والاستثمار.
وحين يقول الخبر إنها تواصل الارتفاع، فهو يشير إلى مسار مستمر لا إلى قفزة عابرة. أي أن الرقم الأخير حلقة في سلسلة صعود، لا حدث معزول.
ما الذي يقوله الخبر وما الذي يسكت عنه؟
المعطى المتاح واضح في عنوانه: تجاوز 2200 مليار درهم، واستمرار في الارتفاع. غير أن العنوان وحده لا يكفي لفهم القصة. فالمعروف في الاقتصاد أن نمو الكتلة النقدية قد يعكس أشياء متباينة تماماً.
قد يعكس نشاطاً اقتصادياً أقوى وقروضاً أكثر لتمويل الاستثمار. وقد يعكس ارتفاع الودائع لأن الناس يفضلون الاحتفاظ بأموالهم سائلة. وقد يرتبط أيضاً بارتفاع الأسعار، إذ تحتاج المعاملات نفسها إلى نقود أكثر حين تغلو السلع. والخبر، في ما نُشر منه، لا يحسم أي هذه التفسيرات هو الأرجح.
هنا أول فجوة: رقم كبير بلا سياق يشرح مصدر النمو.
أين الخلل؟
الفجوة الثانية بين المعلن والمعيش. فالقارئ المغربي الذي يتابع أسعار الخضر واللحوم والسكن لا يقيس حياته بمليارات الدراسات النقدية. هو يقيسها بما تبقى في جيبه آخر الشهر.
فكيف يتفق ارتفاع السيولة في الاقتصاد مع شكوى شائعة من ضيق القدرة الشرائية؟ السؤال مفتوح، ولا يجيب عنه الخبر. والجواب المحتمل أن السيولة لا تتوزع بالتساوي: قد تتركز في حسابات الشركات الكبرى أو في الودائع الكبيرة، بينما يظل دخل الأسر المتوسطة محدوداً. لكن هذا مجرد احتمال يحتاج إلى أرقام تدعمه، ولا يوجد منها شيء في المعطى.
من يربح؟
عادة، حين تتسع السيولة، يستفيد المقترضون إذا بقيت كلفة القروض معقولة، وتستفيد البنوك من اتساع قاعدة الودائع. أما المدخر الصغير فيتوقف ربحه على الفائدة التي يحصل عليها مقارنة بوتيرة غلاء المعيشة. ولم يرد في الخبر ما يسمح بالجزم بأي من ذلك، لذلك يبقى السؤال معلقاً: من الذي يجني ثمار هذا التضخم في الأرقام؟
ما الذي يتغير عند القارئ فعلاً؟
على المدى القريب، قد لا يتغير شيء ملموس. فالكتلة النقدية مؤشر كلي، يهم صانع القرار النقدي أكثر مما يهم رب أسرة يحسب مصاريف الدخول المدرسي.
لكن للمؤشر أثراً غير مباشر. فإذا نمت السيولة أسرع من الإنتاج الحقيقي، ضغطت على الأسعار. وإذا نمت بالتوازي مع الاستثمار والتشغيل، فهي إشارة صحية. والفارق بين السيناريوهين هو الفارق بين اقتصاد يتنفس وآخر ينتفخ.
الأسئلة التي ينتظرها الرقم
ثلاثة أسئلة تستحق أن تُطرح على أي رقم من هذا الحجم. هل يأتي النمو من القروض الموجهة إلى الإنتاج أم من الاستهلاك؟ وهل يوازيه نمو في الناتج وفرص الشغل؟ وهل يصل أثره إلى الأسر أم يتوقف عند حدود الميزانيات الكبرى؟
الأرقام الكلية جميلة في العناوين، لكنها لا تدفع فاتورة الكهرباء. وقيمتها الحقيقية تظهر حين تُقرأ مقرونة بالأسعار والأجور والتشغيل.
2200 مليار درهم رقم يصلح للتباهي في نشرة اقتصادية. فهل يصلح أيضاً لشراء سلة المشتريات بنفس الراحة التي توحي بها خانات الأصفار؟







اترك تعليقاً