طرحت جريدة الشرق سؤالاً يتردد اليوم في أروقة شركات التقنية وأسواق المال معاً: هل ما نراه من اندفاع نحو الذكاء الاصطناعي بداية نمو طويل الأمد، أم موجة حماسة سترتفع ثم تنكسر؟ العنوان وحده يكشف أن الجواب لم يُحسم بعد. وهنا بالضبط تبدأ الحكاية.
لا يتضمن المقتطف المتاح أرقاماً ولا أسماء شركات ولا تقديرات محددة. هو سؤال معلن في عنوان. لذلك سنمضي بحذر: نعرض ما يمكن قوله بيقين، ونترك للأرقام الغائبة مكانها فارغاً بدل أن نملأه بالتخمين.
ما الذي نعرفه فعلاً؟
الثابت أن الذكاء الاصطناعي صار خلال السنوات الأخيرة محور النقاش التقني العالمي. شركات كبرى تعلن عن نماذج جديدة، وتتسابق على الرقائق ومراكز البيانات، وتعد زبائنها بإنتاجية أعلى وتكاليف أقل. هذا معروف ومتداول، ولا يحتاج إلى مصدر خاص.
لكن بين “الطفرة” و”النمو المستدام” مسافة لا تقطعها العناوين. الطفرة تُقاس بحجم الحماسة والاستثمار والاهتمام الإعلامي. أما الاستدامة فتُقاس بشيء أكثر برودة: هل تتحول هذه الأدوات إلى إيرادات حقيقية؟ وهل يدفع الزبائن ثمنها سنة بعد سنة، أم يجربونها ثم يملّون؟
سؤال جريدة الشرق، بصيغته هذه، يضع المسألة في موضعها الصحيح. فالتاريخ التقني يعرف موجات كثيرة بدأت بوعود كبيرة، بعضها ترك بنية تحتية غيّرت العالم، وبعضها لم يترك سوى شركات أفلست.
أين مكمن الإشكال؟
هناك ثلاث نقاط لا يجيب عنها العنوان، ولا نملك نحن جوابها من المعطى المتاح:
الكلفة مقابل العائد. تشغيل النماذج الكبيرة يتطلب عتاداً وطاقة وبنية ضخمة. هل يغطي العائد هذه الكلفة؟ الخبر لا يقول.
من يستفيد أولاً؟ عندما تُباع المعاول في موسم الذهب، يربح البائع قبل المنقّب. فهل المستفيد الأكبر من الطفرة هو من يصنع الأدوات والرقائق، أم من يستعملها لإنتاج قيمة جديدة؟ سؤال مشروع، والجواب عنه هو ما يحدد معنى الاستدامة.
هل الاستعمال حقيقي؟ هناك فرق بين شركة تُعلن أنها “تدمج الذكاء الاصطناعي” وشركة تغيّر به طريقة عملها فعلاً. الأولى تكسب عناوين، والثانية قد تكسب سوقاً.
ماذا يعني هذا للقارئ المغربي؟
نبقى هنا في حدود المعقول، دون ادعاء معطيات غير واردة.
المغرب ليس منتجاً للنماذج الكبرى ولا للرقائق المتقدمة. موقعه إذن أقرب إلى موقع المستعمل والمتكيّف. وهذا يعني أن عدوى الحماسة قد تصله قبل أن تصله الفائدة. شركة تدفع اشتراكات لأدوات لا تحتاجها، ومؤسسة تعلن مشروعاً “ذكياً” لأن الموضة تقتضي ذلك، وطلبة يسمعون أن المهنة التي يدرسونها ستختفي أو ستزدهر، بحسب من يتكلم.
في المقابل، لو تبين أن النمو حقيقي، فالمغرب الذي يملك كفاءات هندسية شابة وقطاع خدمات متنامياً قد يجد في هذه الأدوات رافعة. لكن الرافعة لا تعمل وحدها: تحتاج إلى تكوين وبنية رقمية وبيانات منظمة، وهذه أمور لا تُستورد جاهزة.
سؤال الاستدامة
كلمة “مستدام” هي أثقل ما في العنوان. فهي تعني أن النمو يصمد حين تهدأ الضجة، وحين يسأل المستثمر عن الأرباح، وحين يسأل المستخدم عن الفائدة، وحين تُحسب فاتورة الطاقة. كل واحد من هذه الاختبارات قادر وحده على تبريد الحماسة.
والخبر، في ما وصلنا منه، لا يزعم أن الجواب جاهز. وهذا في حد ذاته موقف صحفي محترم: أن تسأل بصوت عالٍ بدل أن تبيع اليقين.
لكن القارئ يستحق أكثر من السؤال. يستحق أن يعرف أي مؤشرات يراقب: هل تنمو الإيرادات بقدر ما ينمو الإنفاق؟ هل يستمر الطلب بعد انتهاء فضول التجربة؟ وهل تنتشر الفائدة خارج حفنة من الشركات الكبرى؟
ما لم يُقَل بعد
ما نُشر، بحسب ما نُشر في جريدة الشرق، يفتح الباب ولا يدخله. ونحن نكتفي هنا بالوقوف عند العتبة نفسها، لأن ما بعدها يحتاج إلى أرقام لا نملكها.
يبقى سؤال أخير، ربما هو الأهم: إذا كان الجميع يستثمر في الذكاء الاصطناعي خوفاً من أن يفوته القطار، فمن يضمن أن القطار متجه إلى وجهة تستحق كل هذا التدافع؟







اترك تعليقاً