بحسب ما نُشر عبر «الهيئة الوطنية للإعلام»، يستعد ليونيل ميسي لوداع الأرجنتين أمام منتخب بنين، في ليلة وُصفت بالتاريخية على ملعب المونومنتال. العنوان وحده يكفي ليشدّ الانتباه: أفضل لاعب في جيله يقف أمام جمهور بلاده في مناسبة يُنتظر أن تكون وداعية.
لكن بين ما قيل وما لم يُقل مسافة تستحق التوقف عندها.
ما الذي ورد في الخبر؟
المعطى المتاح شحيح في تفاصيله. نعرف أن اللقاء يجمع الأرجنتين ببنين، وأن مكانه المونومنتال، الملعب المعروف في بوينس آيرس، وأن الحديث يدور حول وداع ميسي للأرجنتين. وصفُ الليلة بـ«التاريخية» يأتي في عنوان الخبر نفسه، وهو توصيف يعكس حجم الحدث في الإعلام أكثر مما يقدّم معلومة قابلة للقياس.
أما ما لم يرد في المقتطف المتاح فكثير: لم يُذكر موعد المباراة بدقة، ولم يتضح هل هي مباراة ودية أم رسمية، ولم يُشر إلى طبيعة هذا «الوداع». هل هو اعتزال دولي كامل؟ أم تحية جماهيرية في مباراة بعينها؟ أم مشاركة رمزية لدقائق معدودة؟ كلها أسئلة لا يجيب عنها ما نُشر.
ملعب له ذاكرة
المونومنتال ليس ملعباً عادياً في الذاكرة الأرجنتينية. هو ملعب نادي ريفر بلايت، وهو المكان الذي تحتضن فيه الأرجنتين مباريات كبرى. اختيار هذا الملعب لمناسبة بهذا الوزن يبدو منطقياً لمن يعرف حجم الجماهير هناك.
وميسي، الذي قاد الأرجنتين إلى التتويج بكأس العالم 2022 في قطر، لا يحتاج إلى تعريف. هذه معلومة ثابتة يعرفها كل متابع. ومن هنا تأتي حساسية أي حديث عن «الوداع»: الرجل ارتبط بالمنتخب في أجمل لحظاته وأصعبها، وأي مشهد ختامي سيُقرأ بوصفه نهاية حقبة كاملة.
أين الغموض؟
الإشكال الصحفي الأول هو المصطلح نفسه. كلمة «وداع» في الرياضة تُستعمل بمرونة كبيرة. قد تعني إعلاناً نهائياً، وقد تعني مجرد لحظة احتفاء لا تغلق الباب. والخبر، في صيغته المتاحة، لا يحسم.
الإشكال الثاني هو الخصم. لماذا بنين؟ لا يقدّم المقتطف جواباً. قد يكون الاختيار لأسباب تنظيمية أو رياضية أو تسويقية، لكن لا شيء في المعطى يؤكد أياً منها. وما دام الأمر كذلك، فالأمانة تقتضي ألا نملأ الفراغ بتخمينات نقدمها كحقائق.
الإشكال الثالث يخص صياغة العنوان: «يستعد» تعني أن الحدث لم يقع بعد. أي أن كل ما يُقال عن ليلة تاريخية هو توقع، لا وصف لوقائع.
من يربح من هذه الليلة؟
الجواب البديهي: الجمهور الأرجنتيني، الذي سيحظى بفرصة توديع لاعبه المفضل في ملعبه. ويربح الإعلام أيضاً، فمثل هذه المناسبات تصنع أرقام متابعة هائلة. أما بنين، فمجرد وجودها في مباراة بهذا الثقل يمنحها حضوراً إعلامياً لم تكن لتناله في مباراة عادية. غير أن هذه قراءة منطقية لا تستند إلى تصريح وارد في الخبر.
ما شأن القارئ المغربي؟
القارئ المغربي ليس غريباً عن هذا النوع من اللحظات. جمهور المغرب من أكثر الجماهير العربية والإفريقية ارتباطاً بميسي، يتابع مبارياته ويتجادل حول مكانته في تاريخ اللعبة. وبعد أن شهد المغرب نفسه في مونديال قطر مساراً غير مسبوق لمنتخبه، صار يرى في أي حدث كروي كبير مرآة لطموحاته.
وهناك درس خفيف يستحق الانتباه: الأمم التي تحسن توديع نجومها هي التي تحسن تقديرهم، وتعرف كيف تحوّل اللحظة إلى ذاكرة جماعية لا إلى مجرد مباراة.
سؤال يبقى معلقاً
حتى تتضح التفاصيل، يبقى الحدث وعداً أكثر منه واقعة. ليلة توصف بالتاريخية قبل أن تبدأ، ووداع لم تُعرف حدوده بعد، وخصم لم يُشرح سبب اختياره.
فهل نحن أمام نهاية فعلية لمسيرة ميسي الدولية، أم أمام عنوان جميل صيغ ليملأ الملعب قبل أن يملأ الأسئلة؟







اترك تعليقاً