هل يطلب ألتمان منا أن نتعايش مع أضرار الذكاء الاصطناعي؟

هل يطلب ألتمان منا أن نتعايش مع أضرار الذكاء الاصطناعي؟

قال سام ألتمان إن على المجتمعات أن تتقبّل قدراً من أضرار الذكاء الاصطناعي في مقابل الفوائد التي تَعِد بها هذه التقنية. هذا ما نقله موقع «البوابة التقنية» عن الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، المطوِّرة لـ«تشات جي بي تي». الجملة قصيرة، لكنها تحمل سؤالاً ثقيلاً: من يقرر حجم الضرر المقبول، ومن سيدفع ثمنه حين يقع؟

ما الذي قاله ألتمان بالضبط؟

المعطى المتاح عن الخبر محدود. عنوان «البوابة التقنية» يلخص الفكرة: الذكاء الاصطناعي سيجلب منافع كبيرة، وهذه المنافع لن تأتي بلا كلفة. وعلى المجتمع، بحسب هذا الطرح، أن يقبل بعض الأضرار بدل انتظار تقنية خالية من المخاطر تماماً.

وهنا ينبغي الحذر. الخبر كما ورد لا يذكر أي أضرار بعينها، ولا يحدد أين ومتى قيلت العبارة، ولا يبيّن كيف صاغها صاحبها حرفياً. لذلك لن نضع في فمه كلاماً لم يرد، ولن نخمّن مقصده الكامل. سنكتفي بما نُشر، ثم نسأل عما غاب عنه.

منطق المقايضة المألوف

الفكرة نفسها ليست غريبة في تاريخ التقنية. السيارات تنقل الناس وتقتل بعضهم في الطرق، والمجتمعات قبلت ذلك مع قوانين ورخص ومراقبة. الأدوية تنقذ الأرواح ولها آثار جانبية تُكتب في النشرات المرفقة بها.

لكن في هذه الأمثلة جميعاً جاء القبول بعد أن وُضعت قواعد، وتحددت جهات مسؤولة، وصارت هناك طريقة لمحاسبة المخطئ. فهل يصلح المنطق نفسه حين يصدر عن شركة تبيع المنتج؟

أين الخلل؟

الإشكال الأول في هوية المتحدث. حين يدعو رجل يقود إحدى أبرز شركات الذكاء الاصطناعي إلى «تقبّل الأضرار»، فهو يتحدث من موقع المستفيد المباشر من انتشار التقنية. لا يعني هذا أن كلامه خاطئ، لكنه يعني أن من حق القارئ أن يسأل عن موضع الرجل من المعادلة.

الإشكال الثاني في كلمة «نحن». من هم الذين عليهم أن يتقبلوا؟ المستخدم الذي قد يتلقى معلومة مغلوطة؟ الموظف الذي قد تتغير وظيفته؟ الفنان أو الكاتب الذي تُدرَّب الخوارزميات على أعماله؟ الخبر لا يفصّل، والغموض هنا ليس تفصيلاً بل جوهر المسألة.

الإشكال الثالث في غياب المقابل. إذا كان المطلوب أن نقبل الضرر، فما الذي تلتزم به الشركات في المقابل؟ شفافية في الاختبار؟ آليات للتعويض؟ استعداد لإيقاف منتج ثبت خطره؟ لم يرد شيء من ذلك في المقتطف المنشور.

من يربح ومن يدفع؟

المنفعة والضرر في هذه التقنية لا يتوزعان بالتساوي على الجميع. الأرباح تتجمع عند من يملكون النماذج والبنية التي تشغّلها، بينما تتفرق الأضرار على ملايين المستخدمين الذين لا يجلسون إلى طاولة القرار.

وهذا بالضبط ما يجعل عبارة «مقايضة» تحتاج إلى تدقيق. المقايضة العادلة تفترض أن الطرف الذي يتحمل الخسارة هو نفسه الذي ينال المكسب، أو أنه على الأقل شريك في الاتفاق. فهل هذا هو الحال هنا؟

وماذا عن القارئ المغربي؟

في المغرب يدخل الذكاء الاصطناعي إلى الحياة اليومية بهدوء: في الهاتف، وفي أدوات الترجمة والكتابة، وفي عمل الطلبة والمقاولات الصغيرة والصحفيين أنفسهم. الأسئلة المطروحة هنا عملية جداً.

إذا أخطأت أداة في معلومة طبية أو قانونية، فمن يتحمل العواقب؟ وإذا انتشر محتوى مزيف باللهجة المغربية أو بالعربية، فمن يملك وسيلة للتصدي له؟ ثم إن الأدوات التي تُبنى في أماكن بعيدة تُدرَّب في الغالب على بيانات لا تعكس واقعنا بالكامل، فهل يكون نصيبنا من الأضرار مساوياً لنصيبنا من الفوائد؟

لا يجيب الخبر عن أي من هذا، ولا يُنتظر منه أن يجيب. لكن هذه هي الأسئلة التي تهمّ من يستعمل هذه الأدوات كل يوم.

جملة تحتاج إلى هامش

قد يكون ألتمان محقاً في أن انتظار تقنية بلا مخاطر وهمٌ لا يتحقق. لكن الاعتراف بوجود الخطر شيء، والطلب من الناس أن يقبلوه شيء آخر. الأول صراحة محمودة، والثاني يحتاج إلى ما يسنده من ضمانات وقواعد ومساءلة.

فإذا كان الثمن معلوماً لدى من يبيعون التقنية، فلماذا لا يُعلَن بوضوح قبل أن يُطلب منا قبوله؟

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية