عنوان واحد يكفي لإشعال النقاش في كل بيت مغربي: أرقام رسمية تتحدث عن «تحول لافتاً» في أسعار المواد الأساسية، وذلك بعد موجة غلاء أنهكت الميزانيات الأسرية. هذا ما أوردته «فاس نيوز» في خبر نُشر مؤخراً، يضع الأرقام الرسمية في مواجهة ما عاشه المستهلك أمام بائع الخضر والبقال وبائع الزيت.
لكن السؤال الذي يطرحه كل من يخرج إلى السوق صباحاً يبقى معلقاً: هل ما تقوله الأرقام هو ما يراه المواطن في سلته؟
ما الذي قيل بالضبط؟
بحسب ما نُشر، تكشف معطيات رسمية عن تحول في مسار أسعار المواد الأساسية بالمغرب، بعد فترة طويلة اتسمت بارتفاع متواصل أرهق القدرة الشرائية. الخبر يقدم هذا التحول بوصفه تغيراً لافتاً في الاتجاه، لا مجرد تذبذب عابر في الأسواق.
والمقتطف المتاح لا يتوقف عند تفاصيل كل مادة على حدة. فهو لا يحدد في صيغته المعروضة هنا حجم التراجع أو التحسن، ولا يسمّي المواد التي شملها التغير، ولا يبين الفترة التي تغطيها المقارنة. وهذه الفراغات ليست تفصيلاً هامشياً، لأن كلمة «تحول» تحمل معنى مختلفاً تماماً بحسب الرقم الذي يقف وراءها.
موجة الغلاء: الخلفية التي لا تُنسى
لا يحتاج المغاربة إلى من يذكّرهم بالموجة التي سبقت هذه الأرقام. فقد اشتكت الأسر في مختلف المدن من ارتفاع أسعار مواد تدخل في المائدة اليومية، وصارت الميزانية الشهرية تُحسب بحذر أكبر. والخبر نفسه يربط الأرقام الجديدة بما سماه «موجة الغلاء»، أي أنه يعترف ضمناً بأن الضغط على الأسعار كان واقعاً ملموساً لا مجرد انطباع.
هنا تحديداً تكمن حساسية المسألة. حين تعلن جهة رسمية أن الاتجاه تغيّر، فإنها تخاطب شريحة عاشت الغلاء في جيبها قبل أن تقرأه في جدول إحصائي. ومن يخرج من الجدول إلى السوق يبحث عن فرق يلمسه، لا عن نسبة مئوية.
أين تبدأ الفجوة؟
الأرقام الرسمية تقيس متوسطات. أما المستهلك فيشتري منتجات بعينها، من حي بعينه، بسعر يومه. وقد يتراجع المتوسط العام بينما تبقى مادة واحدة، هي الأكثر استهلاكاً في بيتك، على حالها أو أعلى.
ثم إن توقف الارتفاع لا يعني عودة الأسعار إلى ما كانت عليه. هذه نقطة يتعثر عندها كثير من الخطاب الرسمي: أن تتباطأ وتيرة الغلاء شيء، وأن ينخفض مستوى الأسعار شيء آخر. الأسرة التي دفعت أكثر خلال الأشهر الماضية لن تشعر بالارتياح لمجرد أن المنحنى توقف عن الصعود، ما دام المستوى الجديد أعلى من القديم.
وهنا يبرز سؤال لا يجيب عنه الخبر في صيغته المتاحة: هل يتعلق الأمر بتراجع فعلي في الأسعار، أم بتباطؤ في وتيرة ارتفاعها؟ الفرق بين الحالتين هو الفرق بين مواطن يتنفس وآخر ينتظر.
من يستفيد من هذا التحول؟
إن كان التحسن حقيقياً، فالمستفيد الأول هو الأسرة محدودة الدخل، لأن المواد الأساسية تلتهم الجزء الأكبر من ميزانيتها. أما الأسر الميسورة فتتأثر بالغلاء بدرجة أقل بكثير.
لكن الاستفادة الفعلية تتوقف على حلقة لا يذكرها الخبر: سلسلة التوزيع. فحين ترتفع الأسعار عند المصدر ترتفع بسرعة عند المستهلك، وحين تتراجع يتأخر الانعكاس في كثير من الأحيان. فهل يصل هذا التراجع، إن وُجد، إلى الرف بالسرعة التي وصل بها الغلاء؟
ما الذي ينتظره القارئ؟
ثلاثة أمور على الأقل تحتاج إلى توضيح كي يتحول الخبر من عنوان لافت إلى معلومة مفيدة. أولها المواد المعنية بالتحول وحجمه، وثانيها الفترة المقارَن بها، وثالثها المصدر الدقيق للأرقام ومنهجية احتسابها. دون هذه العناصر يبقى الخبر إعلاناً عاماً يصعب تحويله إلى قرار شرائي أو تقدير للوضع.
وفي المقابل، لا يصح التشكيك في الأرقام لمجرد أنها رسمية، ولا تصديقها لمجرد أنها رسمية. الموقف المهني هو انتظار التفاصيل ومقارنتها بما يراه الناس في الأسواق، ثم الحكم.
سلة الخضر أصدق من الجداول؟
يبقى أن الاختبار النهائي لا يجري في مكاتب الإحصاء، بل في أسواق الأحياء. هناك تُقاس الأرقام بميزان الواقع: هل صارت سلة الأسبوع أخف على الجيب؟ هل عاد الزيت والخضر والدقيق إلى مستوى يُحتمل؟
فإن كانت الأرقام تقول إن الغلاء تراجع، والمواطن يقول إن جيبه لم يلحظ ذلك، فمن منهما يرى الصورة كاملة؟







اترك تعليقاً