هل صار الذكاء الاصطناعي جزءاً من حماية الأمن القومي؟

هل صار الذكاء الاصطناعي جزءاً من حماية الأمن القومي؟

قال إبراهيم الديب، بحسب ما نشره موقع «اليوم السابع» المصري، إن امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من حماية الأمن القومي. الجملة قصيرة، لكنها تنقل النقاش حول هذه التقنية من مختبرات الشركات إلى مكاتب القرار السيادي. والسؤال الذي يفرض نفسه: ماذا يعني أن تصير الخوارزمية عنصراً في الدفاع عن الدولة، ومن يملك هذه الأدوات أصلاً؟

ماذا قيل بالضبط؟

المتوفر من الخبر هو عنوانه ومضمونه العام: تصريح ينسب إلى إبراهيم الديب، يربط بين امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي وحماية الأمن القومي. لا يتضمن المقتطف المتاح تفاصيل إضافية عن سياق التصريح، ولا عن المناسبة التي قيل فيها، ولا عن الأدوات المقصودة تحديداً.

لذلك نكتفي بما نُشر. والرسالة التي يحملها واضحة: لم يعد الذكاء الاصطناعي ترفاً تقنياً أو أداة لتحسين الإنتاجية، بل صار، وفق هذا الطرح، مسألة تتصل ببقاء الدولة وقدرتها على حماية نفسها.

الصيغة المستعملة مهمة. الحديث هنا عن «الامتلاك» لا عن «الاستعمال». والفرق بين الكلمتين ليس لغوياً فقط.

بين الامتلاك والاستهلاك

أن تستعمل أداة ذكاء اصطناعي شيء، وأن تمتلكها شيء آخر تماماً. المستعمل يدفع اشتراكاً ويستفيد ما دامت الخدمة متاحة. أما المالك فيتحكم في النموذج وفي بياناته وفي شروط تشغيله، ويقرر متى يتوقف وأين تُخزَّن المعلومات.

حين يُقال إن الامتلاك صار جزءاً من الأمن القومي، فالمنطق المضمر أن الاعتماد الكامل على أدوات تملكها جهات أخرى قد يصبح نقطة ضعف. هذا استنتاج منطقي من صيغة التصريح، وليس نصاً ورد في الخبر، ويبقى مفتوحاً على أسئلة كثيرة لم يجب عنها المقتطف.

كيف تُقاس هذه الملكية؟ هل هي نماذج تُبنى محلياً، أم بنية حوسبة وطنية، أم اتفاقيات ترخيص تضمن السيادة على البيانات؟ الخبر لا يقول.

أين الفجوة؟

التصريحات الكبرى سهلة، والتنفيذ صعب. الذكاء الاصطناعي المتقدم يحتاج إلى بيانات ضخمة، وقدرات حوسبة مكلفة، وكفاءات بشرية نادرة. وهذه عناصر لا تُشترى في صفقة واحدة.

وهنا تظهر الفجوة المعتادة بين الخطاب والواقع. فكيف يتفق القول بأن هذه الأدوات مسألة أمن قومي مع واقع يعتمد فيه أغلب دول المنطقة على منصات تطورها شركات أجنبية؟ سؤال مشروع، ولا يقتصر على بلد بعينه. وهو لا يتهم أحداً، بل يختبر المفهوم: إن كانت الأداة سيادية فعلاً، فمن يضمن سيادتها حين تكون مستوردة؟

ما الذي يعنيه هذا للقارئ المغربي؟

المغرب ليس بعيداً عن هذا النقاش. فالإدارات والبنوك وشركات الاتصالات والمقاولات الصغيرة تدخل تدريجياً في استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي، غالباً عبر خدمات سحابية خارجية. وكل استعمال من هذا النوع يطرح سؤالاً بسيطاً: أين تذهب البيانات؟

حين تُرفع معلومات عملاء أو وثائق داخلية إلى منصة أجنبية، فالمسألة لا تخص الأمن القومي بمعناه العسكري فقط. إنها تمس الخصوصية والمنافسة الاقتصادية وثقة المواطن في المؤسسات.

والمواطن العادي قد لا يشعر بالأمر مباشرة. لكنه يلمسه حين تتعطل خدمة، أو تتسرب معلومات، أو يُحرم قطاع كامل من أداة لأن مزودها قرر تغيير شروطه.

من يربح من هذا الخطاب؟

حين يُربط الذكاء الاصطناعي بالأمن القومي، تتغير لغة الاستثمار. ما كان يُعد مشروعاً تقنياً اختيارياً يصبح أولوية استراتيجية تبرر ميزانيات وتشريعات وشراكات. وهذا قد يكون مفيداً إن أدى إلى تكوين مهندسين وبناء بنية تحتية وطنية.

لكنه قد يكون أيضاً غطاءً لإنفاق غير محسوب، أو لتسويق حلول جاهزة تحت شعار الضرورة الأمنية. والفرق بين الحالتين تحدده الشفافية: من يقرر؟ بأي معايير؟ وبأي حساب لاحق؟

هذه أسئلة لا يجيب عنها تصريح واحد، ولا يُفترض أن يجيب. لكن الصحافة مطالبة بطرحها كلما صار الشعار أكبر من التفاصيل.

سؤال ينتظر جواباً

قد يكون الديب محقاً في أن الأدوات الذكية أصبحت جزءاً من معادلة الحماية. الاتجاه العام في النقاش الدولي يسير نحو الربط بين التقنية والسيادة. غير أن الاتجاه العام لا يغني عن الخطة.

فإذا كان الامتلاك هو الشرط، فالامتلاك يبدأ من التعليم والبحث والتمويل قبل أن يبدأ من التصريحات. وهذه مسارات طويلة لا تُختصر بعبارة لافتة في عنوان.

وإن كان الأمن القومي يمر اليوم عبر الخوارزميات، فمن يحرس الخوارزميات حين تكون ملكاً لغيرنا؟

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية