انفجر النقاش الرياضي فجأة في أروقة الصحافة العالمية ومقاهي الدار البيضاء وطنجة: هل بات لامين يامال، الفتى الذي بالكاد غادر مقاعد الدراسة، مؤهلاً لحمل الكرة الذهبية هذا الموسم؟ لم يعد السؤال ترفاً إعلامياً ولا مبالغة يغذيها حماس منصات التواصل، بل ملفاً حقيقياً يربك معايير الجائزة الفردية الأثقل وزناً في تاريخ كرة القدم.
بين الموهبة الاستثنائية وحسابات الألقاب الكبرى، يقف يامال أمام جدار من الأسماء الثقيلة وسنوات من الأعراف الصارمة. فهل يملك بالفعل الحجج الكروية الكافية ليتوج ملكاً على عرش المستديرة، أم أن السباق فُتح مبكراً جداً أمام موهبة لا تزال في بداية الطريق؟
بين الوهج المبهر وحسابات الأرقام
لم تكن شرارة هذا الجدل وليدة الصدفة. ما قدمه يامال هذا الموسم تجاوز حدود المفاجأة؛ إذ تحول الجناح الصاعد إلى ركيزة أساسية لا غنى عنها في خط هجوم برشلونة والمنتخب الإسباني. حين تراقبه يروغ المدافعين ببرود أعصاب غير مألوف ويسجل من زوايا ميتة، يبدو وكأنه يلعب في دوريات النخبة منذ عقد كامل، لا مجرد فتى يخطو خطواته الأولى.
المعيار الأول لمجلة «فرانس فوتبول» يعتمد بالأساس على الأداء الفردي وتأثير اللاعب الحاسم في المباريات المصيرية. في هذا الباب تحديداً، لا يملك أشد المنتقدين دليلاً لإسقاط يامال من الحسابات. لقد غير موازين مواجهات كبرى، وصنع الفارق بسرعته وقدرته الفائقة على قراءة المساحات وصناعة الأهداف لزملائه.
لكن، هل يكفي الإبهار البصري وحده لخطف الجائزة؟ التاريخ القريب يذكرنا دائماً بأن لجان التحكيم نادراً ما تمنح أصواتها للمتعة الخالصة دون إسناد صلب من الأرقام التهديفية القياسية والتتويجات القارية. وهنا يظهر أول شرخ في فرضية تتويج الفتى الذهبي.
أين الخلل في معادلة التتويج؟
حين نضع ملف يامال تحت مجهر المقارنة الباردة، تبرز عقبات لا يمكن تجاوزها بمهارة فردية أو لقطة استعراضية عابرة.
* حسم البطولات القارية للأندية يظل حجر الزاوية، وغياب التتويج بلقب دوري أبطال أوروبا يضعف عادة حظوظ أي مرشح مهما بلغت مهارته. * الحصيلة التهديفية الإجمالية، رغم غزارة المساهمات، ما زالت بعيدة عن أرقام مهاجمين متمرسين اعتادوا تسجيل ثلاثين وأربعين هدفاً في الموسم الواحد. * عامل الاستمرارية وثبات المستوى طوال تسعة أشهر متواصلة يشكل اختباراً شاقاً للاعبين الشبان، حيث يتقلب العطاء البدني تحت ضغط الرزنامة الخانقة.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تبحث الكرة الذهبية عن «أفضل لاعب أداءً وتأثيراً» في اللحظة الراهنة، أم عن «اللاعب الأكثر تتويجاً وحصداً للألقاب» في نهاية المطاف؟ هذا التباين هو جوهر الإشكال الصحفي الذي يحيط بترشيح يامال هذا الموسم.
الصدى المغربي: انقسام المشاعر وفخر الموهبة
في المغرب، لا يمر هذا الملف كأي خبر رياضي خارجي. في كل مقهى وفي كل نقاش كروي، يُنظر إلى يامال بزاوية مركبة تمتزج فيها مشاعر الإعجاب بمرارة الاختيار الدولي. ينحدر الفتى من أصول مغربية تظهر تفاصيلها في نشأته وسلوكه وحتى في احتفالاته، وهو ما يجعل متابعيه هنا يراقبون صعوده بحساسية خاصة.
يتساءل الشارع الرياضي المغربي: لو ظفر يامال بالجائزة، هل يُحسب الإنجاز لقارة إفريقيا وللمغرب رمزياً، أم أنه تتويج خالص لمنظومة التكوين الإسبانية؟ ثمة فجوة واضحة بين الفخر الشعبي بأصول اللاعب الموهوب، وبين الواقع الرياضي الرسمي الذي وضعه في مصاف نجوم «لا روخا». ومع ذلك، يظل الإجماع حاصلاً على أن ما يقدمه داخل المستطيل الأخضر يعيد تعريف حدود الممكن بالنسبة للمواهب الصاعدة من أصول مهاجرة.
ما الذي يتغير في معايير الجائزة؟
السنوات الأخيرة شهدت تحولات عميقة في طريقة تصويت الصحفيين وقادة المنتخبات. بعد نهاية الحقبة الاحتكارية التي قادها ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو، باتت الجائزة تبحث عن هوية جديدة. لم يعد هناك لاعب واحد يبتلع المنافسة بأرقام خيالية لا تُمس.
هذا الفراغ في القمة هو تحديداً ما منح يامال هذه المساحة الهائلة من الضوء. لو كانت المنافسة تدور في سنوات ذروة الصراع الكلاسيكي، لما تجرأ أحد على طرح اسمه بجدية في عمر السابعة عشرة. لكن اليوم، وفي ظل تذبذب مستويات النجوم الكبار وتراجع الحسم الفردي المطلق، أصبح للموهبة الطازجة والشغف غير المقيد وزن ثقيل في صناديق الاقتراع.
هل يمكن لصحفيي العالم أن يمنحوا أصواتهم لمراهق لم يكتمل نموه الرياضي بعد؟ التاريخ يقول إن رونالدو البرازيلي نالها وهو في سن الحادية والعشرين، وكان ذلك إعجازاً صمد لعقود. كسر هذا الحاجز لصالح يامال لن يكون مجرد فوز بجائزة، بل زلزالاً يقلب هرم التقدير في كرة القدم رأساً على عقب.
منطق التدرج أم عدالة اللحظة؟
المدافعون عن أحقية يامال يرفعون شعار «عدالة اللحظة»: إذا كان هو اللاعب الأكثر إثارة وتأثيراً في الميدان اليوم، فلماذا يُحرم من التتويج بدعوى صغر السن أو ضرورة انتظار الدور؟ حرمان اللاعب من استحقاقه الحالي بحجة المستقبل هو ظلم للمجهود الفعلي الذي بذله فوق العشب.
في المقابل، يرى تيار الواقعيين أن منح الجائزة ليامال في هذا التوقيت بالذات قد يحمل ضرراً يفوق النفع. حرق المراحل قد يصيب اللاعب الشاب بضغط نفسي وإعلامي مدمر، فضلاً عن كونه يقفز فوق أسماء قدمت مواسم متكاملة وحصدت الكؤوس القارية والدوريات الكبرى مع أنديتها.
بين هذا وذاك، تبدو فرص يامال الحقيقية معلقة بخيط رفيع. قد لا ينال الكرة الذهبية في نسختها الحالية لأسباب تتعلق بـ «المنطق المؤسساتي» للتصويت، لكن مجرد فرض اسمه في صدارة النقاش يعد انتصاراً كاسحاً لمسيرته. السؤال الحارق الذي سيبقى معلقاً في الهواء حتى لحظة فتح المغلفات: هل تملك لجان التحكيم الجرأة لتتويج معجزة الحاضر، أم ستكتفي كعادتها بتكريم ألقاب الماضي؟







اترك تعليقاً