طنجة تستبق غضب السماء: هل تنقذ خطة «أمانديس» المدينة من سيناريو الغرق السنوي؟

طنجة تستبق غضب السماء: هل تنقذ خطة «أمانديس» المدينة من سيناريو الغرق السنوي؟

خرجت آليات شركة «أمانديس» إلى شوارع طنجة وتطوان في سباق محموم مع الزمن، معلنة الشروع في مخطط ميداني لتأمين المدينتين ضد شبح فيضانات الشتاء القادم. وبحسب ما أورده موقع «إيكوبريس»، فإن الشركة المفوض لها تدبير قطاع الماء والكهرباء والتطهير السائل انخرطت في عمليات تعقيم وتنقية واسعة لمنشآت تصريف مياه الأمطار والبالوعات والقنوات الرئيسية. يبدو المشهد مألوفاً في هذا التوقيت من كل عام، لكنه يطرح فوراً السؤال الذي يحبس أنفاس الساكنة مع كل نشرة إنذارية: هل تنهي هذه التحركات الاستباقية كابوس الغرق الموسمي، أم أن البنية التحتية لعروس الشمال عاجزة عن الصمود أمام اختبار الغيث الأول؟

استنفار مبكر في مجاري المياه

تتركز الحملة التي باشرتها الشركة على تفريغ شبكات الصرف الصحي والمجاري المائية من الأوحال والمخلفات الصلبة المتراكمة طوال أشهر الجفاف. وتعد هذه العملية خط الدفاع الأول لمنع انسداد المنافذ حين تهطل الأمطار الرعدية بغزارة تفوق المعدلات الاعتيادية. شاحنات الشفط الهيدروليكي وفرق التدخل اليدوي انتشرت في المحاور الطرقية الرئيسية وعند النقاط الحساسة التي تصنفها المصالح التقنية سنوياً ضمن «النقاط السوداء».

الهدف المعلن من هذه التحركات هو ضمان الانسيابية القصوى للمياه السطحية وتفادي تكدسها في المدارات والأنفاق الأرضية، وهي الأماكن التي تحولت في محطات سابقة إلى مصائد للمركبات وعطلت حركة السير لساعات طويلة. غير أن جغرافية طنجة المعقدة، بطبيعتها التلية وانحداراتها الشديدة نحو البحر والأودية، تضع دوماً هذه التدابير الروتينية على المحك. فالكتل المائية الهابطة من المرتفعات تجرف معها أطناناً من الأتربة والنفايات، مما يجعل تنظيف البالوعات خطوة ضرورية لكنها غير كافية بمفردها إن لم تكن الطاقة الاستيعابية للشبكة مصممة لتحمل تلك التدفقات المفاجئة.

أحياء تحت مجهر الخوف

لا تتنفس طنجة بالرئة نفسها حين يتعلق الأمر بتساقط الأمطار؛ فالقلق لا يتوزع بالتساوي بين الأحياء الراقية والمناطق الشعبية أو الصناعية. تحظى مقاطعة بني مكادة ومنطقة العوامة وأحياء مغوغة باهتمام استثنائي ومبرر، بالنظر إلى تاريخها الطويل مع السيول الجارفة وفيضان الوديان المجاورة، مثل واد مغوغة وواد السواني. في هذه البؤر تحديداً، تصبح مسألة تطهير القنوات قضية أمان معيشي وتجاري، وليست مجرد تدبير تقني وقائي.

تجار المناطق الصناعية وساكنة الطوابق السفلية في تلك الأحياء يضعون أيديهم على قلوبهم مع كل إعلان عن استعدادات الشتاء. الخسائر المادية التي سُجلت في مواسم ماضية دمرت ورشات ومستودعات وجرفت بضائع، تاركة وراءها أسئلة لم تجد إجابات شافية حول حدود مسؤولية الشركة المفوض لها ومدى التزامها بتطوير البنية التحتية المتهالكة لتواكب الزحف العمراني المتسارع. فالأحياء تنمو وتتوسع، والإسمنت يبتلع المساحات الترابية التي كانت تمتص جزءاً من مياه الأمطار، بينما تظل المجاري في بعض المقاطع أسيرة أحجام وقدرات تعود لسنوات خلت.

أين تكمن الفجوة بين المعلن والواقع؟

البيانات والتقارير الصحفية تكرر في كل خريف إحصائيات مطمئنة عن تنظيف آلاف البالوعات وتطهير كيلومترات طويلة من القنوات، غير أن الواقع الميداني غالباً ما يصطدم بمفاجآت غير سارة بمجرد أن تتجاوز كمية التساقطات حاجزاً معيناً خلال وقت وجيز. هنا يبرز الإشكال الصحفي الجوهري: كيف تعلن الشركة عن تأمين المدينتين وتجهيز الشبكات، ثم تشهد الشوارع ذاتها ارتباكاً وشللاً مع أولى الزخات القوية؟

هذا التناقض الصارخ يفتح باب التساؤل حول مدى جودة الصيانة ومدى كفايتها أصلاً في مواجهة التغيرات المناخية التي باتت تفرض تساقطات طوفانية مركزة في أحياز زمنية ضيقة. هل تكفي عمليات «التكنيس» والتنظيف الدوري، أم أن طنجة وتطوان بحاجة ماسة إلى ثورة في هندسة تصريف المياه وإعادة تشييد قنوات استيعاب ضخمة تستوعب الضغط الزائد؟ الاكتفاء بإجراءات التطهير الروتينية يبدو أحياناً كمن يحاول علاج أعراض المرض دون استئصال سببه الحقيقي الكامن في بنية تحتية تجاوزها الزمن أو عجزت عن ملاحقة النمو الديمغرافي والصناعي.

دفتر التحملات وسؤال المحاسبة

تتقاطع تحركات «أمانديس» مع مسألة حيوية تمس الرقابة المحلية والمجالس المنتخبة المفوضة لهذه الخدمات. إن دفتر التحملات يلزم الشركة بتعهدات استثمارية واضحة لتحديث الشبكات ووقايتها من الانهيار، لكن التقييم الحقيقي لا يظهر في أوقات الصحو، بل يُختبر عند ذروة الطوفان. المواطن البسيط، الذي يؤدي فواتير التطهير السائل شهرياً مقتطعة بانتظام، ينتظر مقابلاً ملموساً يحميه من محاصرة المياه لبيته أو تعطيل مصالحه.

الرهان اليوم لا يتوقف عند حدود إطلاق الشاحنات والعمال ببدلاتهم الميدانية، بل يمتد إلى قدرة لجان التتبع في جماعة طنجة على فحص مخرجات هذه العمليات بدقة: هل شملت التدخلات كافة النقاط الحرجة حقاً؟ وما هي خطط الطوارئ البديلة إذا تجاوزت التساقطات التوقعات؟ استمرار تحميل الطبيعة وحدها وزر الاختناقات المائية لم يعد يقنع الشارع الطنجاوي، الذي بات يطالب بموازنة دقيقة بين الأرباح التي تجنيها شركات التدبير المفوض وحجم الاستثمارات الملموسة على أرض الواقع لحماية الأرواح والممتلكات.

إن استباق الشتاء بخطط الصيانة يظل واجباً تقنياً لا فضل فيه، غير أن الامتحان الحقيقي لن تعلنه بلاغات الشركات، بل سترسمه سيول المطر فوق الإسفلت. فهل تنجح أمانديس هذا العام في كسر القاعدة وتجنيب طنجة صدمة الغرق المعتادة، أم أن أول عاصفة قادمة ستعيد تذكير الجميع بأن قنوات المدينة أضيق بكثير من وعود القائمين عليها؟

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية