وجّه الكاتب والمحلل السياسي الأمريكي فريد زكريا انتقاداً حاداً إلى السيناتور ماركو روبيو، واضعاً إصبعه على جرح الهوية الغربية الذي تحاول واشنطن مداراته بالقوة الصلبة. المعركة ليست مجرد سجال عابر بين صحفي وسياسي، بل خلاف جوهري حول تعريف «عظمة الغرب»: هل تُقاس بعدد البوارج وحجم الترسانات العسكرية، أم بالقدرة على مراجعة الذات والاعتراف بفظائع الماضي؟
الشرارة انطلقت حين اختزل روبيو تفوق الحضارة الغربية في مشاعر الفخر القومي والسطوة العسكرية. هذا الطرح دفع زكريا إلى الرد بلهجة حاسمة، مؤكداً بحسب ما نُشر أن الإرث الحقيقي للغرب لا يكمن في فوهات المدافع، بل في المبادئ الإنسانية والحريات الفردية، وقبل ذلك كله، في الشجاعة الأخلاقية التي مكّنته من تفكيك أخطائه الكبرى، وعلى رأسها حقب الاستعمار والعبودية.
السؤال الذي يفرضه هذا الاشتباك يتجاوز حدود الاستوديوهات الأمريكية: ما الذي تبقّى من «النموذج الغربي» إذا جُرّد من قيمه الأخلاقية وتحول إلى مجرد آلة حرب تبحث عن الهيمنة؟
منطق البندقية في مواجهة سلطة الفكرة
يمثل روبيو تياراً يزداد صخباً داخل السياسة الأمريكية، يرى في التراجع العسكري خطيئة لا تُغتفر، ويقيس هيبة الدول بمدى قدرتها على الردع وفرض الإرادة. هذا الخطاب يجد صدى واسعاً لدى جمهور يبحث عن استعادة أمجاد متخيلة، ويخشى صعود قوى دولية منافسة تعيد صياغة النظام العالمي.
في المقابل، يرى زكريا أن هذا المنطق بالذات هو مقتل الغرب. القوة العسكرية، في نظره، وسيلة حماية وليست مصدر شرعية. حين تتحول القوة إلى غاية بحد ذاتها، يسقط الفارق الأخلاقي بين الديمقراطيات الغربية والأنظمة الاستبدادية التي تناصبها واشنطن العداء.
الرهان على الفخر القومي الأعمى يتجاهل حقيقة أن تفوق الغرب في القرون الأخيرة لم يكن وليد الجيوش وحدها، بل نتاج عصر الأنوار، وسيادة القانون، وإتاحة المجال للنقد الفكري الحر. تجريد هذا الإرث من بعده الإنساني لتحويله إلى مجرد راية حربية يعكس إفلاساً فكرياً يهدد مكانة واشنطن الرمزية قبل العسكرية.
فخ التاريخ: الاستعمار كمرآة عاكسة
لم يتردد زكريا في استحضار أشد فصول التاريخ الغربي قتامة: تجارة الرقيق والتوسع الاستعماري. هذه الإشارة ليست ترفاً أكاديمياً، بل هي لب الصراع الصحفي والسياسي الدائر حالياً.
كيف يستقيم الادعاء بالتفوق القومي دون مواجهة الإرث الاستعماري الذي بنيت عليه ثروات دول كبرى؟
زكريا يرى أن الميزة الوحيدة التي تحسب للغرب ليست أنه لم يرتكب جرائم، بل كونه طوّر أدوات مؤسساتية وفكرية سمحت له بنقد تلك الجرائم والتراجع عنها تدريجياً، ولو نظرياً. التباهي بالقوة الخام يعيد إنتاج العقلية الاستعمارية نفسها التي قسّمت العالم إلى سادة يملكون السلاح وضحايا يخضعون له.
هنا يبرز التناقض الصارخ الذي يتهرب منه روبيو وأمثاله: كيف تدعو شعوب العالم الثالث إلى احترام حقوق الإنسان وتبني الديمقراطية، في الوقت الذي تمجد فيه القوة العسكرية المجردة كعنوان وحيد لعظمتك الحضارية؟
زاوية الجنوب: كيف نقرأ الجدال من الرباط؟
بالنسبة لمنطقة شمال إفريقيا والعالم العربي، لا تبدو هذه المساجلة شأناً داخلياً أمريكياً. الذاكرة الجمعية في المنطقة ما تزال تحتفظ بندوب الحقبة الاستعمارية، وعانت لعقود من التدخلات العسكرية الغربية التي تم تسويقها تحت لافتات براقة مثل «نشر الديمقراطية» وحماية «العالم الحر».
حين يخرج سياسي بحجم روبيو ليعلن بصراحة أن القوة والفخر هما جوهر العظمة، فإنه يؤكد شكوك الجنوب العالمي: القيم الإنسانية تُرفع فقط عندما تخدم المصالح الجيوسياسية، وتُسحق حين يتعارض الحساب الأخلاقي مع لغة المصالح.
المغرب، الذي يوازن في ديبلوماسيته بين شراكاته الاستراتيجية مع الغرب وعمقه الإفريقي والعربي، يدرك جيداً خطورة هذا الانزلاق الفكري في واشنطن. سيادة منطق القوة البحتة تعني تقويض النظام الدولي القائم على احترام سيادة الدول والقانون الدولي، وفتح الباب أمام شريعة الغاب حيث البقاء للأكثر تسليحاً.
من يربح ومن يخسر في واشنطن؟
خلف هذه الحرب الكلامية، يقف صراع نفوذ حقيقي داخل العاصمة الأمريكية. المستفيد الأول من خطاب روبيو هو المجمع الصناعي العسكري وجماعات الضغط التي تقتات على فكرة «الخطر الوجودي» وتطالب بزيادة ميزانيات الدفاع على حساب التنمية والدبلوماسية الناعمة.
أما الخاسر الأكبر، فهو ما تبقى من مصداقية أمريكية لدى الشعوب التي تنتظر من القوة العظمى أن تقود عبر تقديم نموذج للعدالة لا عبر التلويح بالعصا الغليظة. الفجوة بين ما يعلنه زكريا من قيم وما يمارسه صناع القرار على الأرض هي الهوة التي تسقط فيها الثقة العالمية كل يوم.
إذا كان الغرب قد اختزل إرثه في التفوق العسكري ونسي قدرته على نقد ماضيه الدامي، فما الذي يميز هذا «الإرث» حقاً عن أي إمبراطورية غابرة سادت بالسيف ثم بادت به؟







اترك تعليقاً