حذّر خبير طاقة، بحسب ما نشره موقع «اليوم السابع»، من أن ارتفاع أسعار الديزل يهدد الأسواق العالمية بموجة تضخم جديدة. الخبر قصير في صياغته، لكن ما يحمله ثقيل. فالديزل ليس وقوداً عادياً، بل الوقود الذي يحرّك الشاحنات والسفن والجرارات والمولدات. وحين يغلو، يغلو معه كل شيء تقريباً.
السؤال الذي يفرض نفسه: إلى أي مدى يمكن أن تصل هذه الموجة، وأين سيشعر بها المواطن المغربي أولاً؟
لماذا الديزل تحديداً؟
يشرح الخبر، في خطوطه العامة، أن الديزل عصب سلسلة الإمداد. كل سلعة تُنقل من مصنع إلى ميناء، ومن ميناء إلى مخزن، ومن مخزن إلى دكان، تمرّ عبر محرك يشتغل بهذا الوقود. لذلك فإن أي قفزة في سعره لا تبقى في محطات الوقود، بل تنتقل إلى فاتورة النقل، ثم إلى ثمن المنتوج النهائي.
هذه هي الآلية التي ينبّه إليها الخبير حين يتحدث عن التضخم. الارتفاع لا يضرب سلعة واحدة، بل يتسلل إلى الأسعار كلها بالتدريج، وبصمت أحياناً، إلى أن يلاحظ المستهلك أن سلته الأسبوعية صارت أخف رغم أنه دفع المبلغ نفسه.
والأسواق العالمية، كما يفهم من الخبر، تتحسس هذا الخطر مبكراً. فالتضخم المرتبط بالطاقة يصعب ترويضه، لأنه لا ينبع من الطلب وحده بل من كلفة الإنتاج نفسها.
ماذا يعني هذا في المغرب؟
هنا تبدأ المنطقة التي لم يجب عنها الخبر. فهو يتحدث عن الأسواق العالمية، ولا يقول شيئاً عن الاقتصادات المستوردة للطاقة. والمغرب، المعروف باعتماده الكبير على استيراد المحروقات، يقع في قلب هذه المعادلة.
المعروف عموماً أن أسعار المحروقات في المغرب محررة منذ سنوات، أي أنها تتبع السوق الدولية مع فارق زمني قصير. هذا يعني أن أي صعود عالمي في الديزل ينعكس على المضخة المغربية، ومنها على قطاعات النقل والفلاحة والصيد البحري. ولا يمكن الجزم بحجم الأثر من معطى الخبر وحده، لأن الخبر لا يقدّم أرقاماً محددة عن نسبة الارتفاع أو مدته.
لكن الاتجاه واضح. النقل الطرقي يعتمد على الديزل بشكل شبه كامل، والخضر والفواكه واللحوم تقطع مئات الكيلومترات قبل أن تصل إلى الأسواق الشعبية. فهل يتحمل الناقل الزيادة؟ أم يمرّرها إلى تاجر الجملة، ثم إلى بائع التقسيط، ثم إلى الزبون؟
من يدفع الفاتورة؟
الجواب المتداول في مثل هذه الحالات أن الحلقة الأضعف هي التي تدفع في النهاية. والحلقة الأضعف في السلسلة هي المستهلك، الذي لا يملك من يمرّر إليه الكلفة.
وهناك فئات أخرى معنية مباشرة. صغار الفلاحين الذين يشغّلون المضخات والجرارات، والمهنيون في النقل، والبحارة الذين يشكّل الوقود جزءاً كبيراً من مصاريف رحلاتهم. هؤلاء يواجهون الارتفاع في الكلفة قبل أن يصل إلى الرفوف.
أين الفجوة؟
تظهر الفجوة بين الخطاب والواقع في نقطة بسيطة: التحذير من «التضخم العالمي» يبدو مفهوماً ومجرداً في نشرات الاقتصاد، لكنه في الحياة اليومية يتحول إلى تفاصيل ملموسة. ثمن الطماطم، وأجرة سيارة الأجرة الكبيرة، وسعر قنينة الزيت. الخبر يتحدث بلغة الأسواق، والمواطن يعيشه بلغة الجيب.
وثمة سؤال آخر لا يجيب عنه الخبر: هل الارتفاع ظرفي أم بنيوي؟ الفرق بين الحالتين هائل. الصدمة العابرة تُمتصّ، أما الصدمة الطويلة فتُعيد تشكيل الأسعار كلها.
قراءة أخيرة: من يملك هامش المناورة؟
الخبر يطلق إنذاراً، لكنه لا يقترح مخرجاً. وهذا طبيعي في خبر قصير. غير أن السؤال الحقيقي بالنسبة لبلد مستورد للطاقة هو: ما الذي يمكن فعله قبل أن تصل الموجة؟
المخزون الاستراتيجي، وتنويع مصادر الطاقة، والاستثمار في الطاقات المتجددة، كلها عناوين تتردد كلما ارتفع سعر النفط. لكنها تبقى عناوين ما لم تتحول إلى أثر ملموس على الأسعار. والمغرب أعلن في سنوات سابقة طموحات كبيرة في الطاقة الشمسية والريحية، غير أن النقل الثقيل والفلاحة ما زالا مرتبطين بالديزل إلى حد بعيد.
فكيف يتفق خطاب الانتقال الطاقي مع شاحنة تعبر البلاد كل يوم بخزان ديزل؟ ذلك تناقض ظاهري يستحق أن يُطرح بصراحة، لأن الطاقة النظيفة لا تُخفّض ثمن الخضر إذا كانت الشاحنة التي تنقلها ما زالت تشتغل بالوقود القديم.
يبقى الأهم. حين تُقرأ تحذيرات الخبراء في نشرة الأخبار، يبدو التضخم شأناً بعيداً يخصّ «الأسواق». وحين يصل إلى السوق الأسبوعي، يتحول إلى شأن شخصي جداً. فمن سيتذكر التحذير حين يُحسب ثمن الكيلوغرام من جديد؟







اترك تعليقاً