النقل يرفع الأسعار 8,1% في ماي: لماذا لا يشعر الجيب بتراجع الغذاء؟

النقل يرفع الأسعار 8,1% في ماي: لماذا لا يشعر الجيب بتراجع الغذاء؟

ارتفع التضخم السنوي بنسبة 1,2% في ماي 2026، بحسب ما نشرته جريدة الاتحاد الاشتراكي، وقاد هذا الارتفاع قطاع النقل الذي سجّلت أسعاره زيادة بلغت 8,1%. المفارقة أن أسعار المواد الغذائية تراجعت في الفترة نفسها، وهي البند الذي يثقل ميزانية الأسرة المغربية أكثر من غيره. فكيف يرتفع الغلاء والمائدة أرخص؟ ومن يدفع الثمن حين يتحرك سعر التنقل؟

ما الذي قاله الرقم فعلاً؟

الخبر في جوهره بسيط: مؤشر الأسعار العام صعد بنسبة 1,2% على أساس سنوي. لكن تفاصيله هي ما يستحق القراءة. فالغذاء، الذي يُنتظر منه عادة أن يحدد اتجاه التضخم في المغرب، سار هذه المرة في الاتجاه المعاكس وسجّل تراجعاً.

وفي المقابل، قفز النقل بـ 8,1%، وهو رقم يفوق بكثير الحصيلة العامة. حين يصل بند واحد إلى هذا المستوى بينما المعدل الإجمالي لا يتجاوز 1,2%، فهذا يعني أن بنوداً أخرى تتحرك ببطء أو تنخفض فتخفف وقع الارتفاع في المتوسط.

المعطى المتاح لا يفصّل ما وراء زيادة النقل. لا نعرف هل المقصود أسعار المحروقات، أم تذاكر الحافلات والقطارات، أم النقل بين المدن، أم كلفة اقتناء السيارات وصيانتها. وهذا الغموض ليس تفصيلاً: كل احتمال يعني قارئاً مختلفاً يتحمل العبء.

متوسط يخفي أكثر مما يُظهر

التضخم الذي تعلنه الأرقام الرسمية متوسط، والمتوسط لا يعيش فيه أحد. الموظف الذي يقطع المسافة نفسها كل صباح بين حيّه ومقر عمله يواجه زيادة النقل مباشرة، ولا يعوّضه عنها أن سعر الخضر أو الدجاج انخفض قليلاً في السوق. والعكس صحيح لأسرة تنفق أغلب دخلها على الأكل وتتنقل قليلاً.

لذلك يختلف الغلاء بين مغربي وآخر بحسب نمط عيشه: هل يسكن في المدينة أم في القرية، هل يملك سيارة أم يعتمد على النقل العمومي، هل يعمل قرب بيته أم بعيداً عنه. الرقم الواحد لا يجيب عن هذه الفروق.

أين الخلل؟

الخلل ليس في الرقم بل في الطريقة التي نقرؤه بها. حين نسمع أن التضخم 1,2% نطمئن، وهي نسبة تبدو معتدلة. لكن النقل عنصر يدخل في كلفة كل شيء تقريباً: السلع تُنقل قبل أن تصل إلى الرفوف، والعامل ينتقل قبل أن يصل إلى مصنعه.

فهل يبقى تراجع الغذاء مستقراً إذا استمر النقل في الصعود؟ الخبر لا يعطي جواباً، ولا نملك أن نجزم. لكنه سؤال مشروع، لأن كلفة التنقل قد تتسرب مع الوقت إلى أسعار أخرى.

من يربح ومن يخسر؟

المعطى لا يحدد المستفيدين من هذه الزيادة، ولا يصح أن نتهم أحداً بلا دليل. لكن يمكن طرح السؤال بوضوح: إذا ارتفع النقل بهذه النسبة، فمن يحصّل الفارق؟ هل هو الناقل الذي ارتفعت عليه كلفته، أم حلقة أخرى في السلسلة؟ وهل انعكس تراجع أسعار الغذاء على المستهلك فعلاً أم بقي في مستوى الجملة؟

الخاسر الأوضح هو من لا خيار له: الأجير الذي لا يستطيع تغيير مسكنه أو عمله، والطالب الذي يتنقل يومياً، والتاجر الصغير الذي ينقل سلعته بنفسه. هؤلاء لا تعنيهم النسبة العامة، بل ما يخرج من جيوبهم آخر الشهر.

كيف يتفق هذا مع الإحساس العام؟

يتحدث المغاربة منذ سنوات عن غلاء يلتهم الدخل، بينما تأتي الأرقام الرسمية في الغالب أقل مما يشعرون به. هذه المرة نجد رقماً عاماً هادئاً نسبياً، وبنداً واحداً يشتعل. فهل الفجوة بين الإحساس والإحصاء سببها طريقة احتساب السلة، أم أن الأسر تتأثر بالبنود الأكثر استعمالاً أكثر من تأثرها بالمتوسط؟ الخبر لا يجيب، لكنه يضع السؤال على الطاولة.

ما الذي ينتظره القارئ فعلاً؟

يحتاج المواطن إلى معرفة أمرين لم يتضمنهما الخبر. الأول: ما طبيعة الزيادة في النقل بالتحديد، وهل هي ظرفية أم مرشحة للاستمرار؟ الثاني: هل سيمتد أثرها إلى أسعار السلع والخدمات في الأشهر المقبلة؟

بدون هذين الجوابين، يبقى الرقم صورة ناقصة. تراجع الغذاء خبر جيد، لكنه لا يكفي وحده لطمأنة أسرة صارت تدفع أكثر لتصل إلى عملها ومدرستها.

والسؤال الأخير: إذا كان الغذاء أرخص والتنقل أغلى، فماذا نربح من مائدة عامرة إن كان الطريق إليها صار أبهظ ثمناً؟

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية