انخفض التضخم فلماذا لا تنخفض الأسعار في السوق المغربية؟

انخفض التضخم فلماذا لا تنخفض الأسعار في السوق المغربية؟

يعود الخبراء الذين استجوبهم موقع «هسبريس» إلى سؤال يطرحه المغاربة كل أسبوع عند باب البقال وفي سوق الخضر: إذا كانت الأرقام الرسمية تقول إن التضخم يتراجع، فلماذا يبقى ثمن الزيت والخضر واللحم على حاله؟ الجواب الذي قدمه المتخصصون بسيط في ظاهره ومزعج في عمقه: تراجع التضخم لا يعني نزول الأسعار، بل يعني فقط أنها ترتفع بوتيرة أبطأ.

ماذا يقيس التضخم فعلاً؟

الخلط هنا هو أصل الحكاية. التضخم مؤشر يقيس سرعة ارتفاع الأسعار بين فترتين، ولا يقيس مستواها. حين ينتقل من نسبة مرتفعة إلى نسبة أقل، فهذا معناه أن الزيادة الجديدة أخف من السابقة، لا أن الزيادات القديمة سُحبت من الرفوف.

مثال بسيط يوضح الفكرة. سلعة ارتفع ثمنها العام الماضي بنسبة كبيرة، ثم ارتفع هذا العام بنسبة أصغر. المؤشر «تحسن»، لكن السلعة ما زالت أغلى مما كانت عليه قبل عامين. والمواطن الذي يدفع من جيبه لا يقارن النسب، بل يقارن ما دفعه بالأمس بما يدفعه اليوم.

وهذا ما ذهب إليه الخبراء في ما نقله الموقع: الأسعار التي ارتفعت خلال السنوات الماضية استقرت عند مستويات جديدة، ولا آلية تلقائية تعيدها إلى ما كانت عليه.

لماذا لا تنزل الأسعار؟

الأسعار تصعد بسهولة وتنزل بعناد. هذه قاعدة معروفة في الاقتصاد، وتفسيرها في الواقع المغربي يمر عبر سلسلة طويلة بين المنتج والمستهلك. كل حلقة فيها تضيف كلفتها وهامشها، وحين ترتفع الكلفة في أول السلسلة تنتقل الزيادة بسرعة إلى آخرها، أما حين تنخفض فتحتاج إلى وقت وإلى منافسة حقيقية حتى تصل إلى المستهلك.

كما أن الأجور لا تتحرك بإيقاع الأسعار. فحتى لو تباطأ الغلاء، تظل القدرة الشرائية الفعلية للأسر محكومة بدخل لم يلحق بما فات. وهنا يتحول الخبر السار في النشرات إلى خبر محايد في المطبخ.

أين الفجوة بين المعلن والمعيش؟

هذا هو الإشكال الصحفي الذي يستحق أن يُطرح بلا مجاملة. الرقم الرسمي يخاطب المحللين، والسعر في السوق يخاطب الأسرة. وحين يتباعد الخطابان، يتولد شعور بأن الأرقام تتحدث عن بلد آخر.

وثمة سؤال لا يجيب عنه ما نُشر بوضوح: ما الذي يعنيه تراجع المؤشر بالنسبة لسلة المواد التي تشتريها الأسر الأقل دخلاً؟ فالمؤشر العام متوسط، والمتوسط قد يُخفي مواد يتضاعف أثرها في ميزانية الفقراء أكثر من غيرها، كالمواد الغذائية الأساسية.

هل يكفي الانتظار؟

يوحي كلام الخبراء بأن انتظار نزول الأسعار من تلقاء نفسها رهان ضعيف. فما لم يتغير شيء في بنية التسويق وفي مستوى المنافسة وفي مراقبة الهوامش، سيبقى السعر المرتفع هو الوضع الطبيعي الجديد. وهذه ليست خلاصة مطمئنة لمن ينتظر أن يرى الفرق في فاتورة نهاية الشهر.

من يربح من هذا الغموض؟

لا ينبغي أن نتهم أحداً بلا دليل، والمعطيات المنشورة لا تسمي مستفيداً بعينه. لكن السؤال مشروع في ذاته: حين تنتقل الزيادات إلى المستهلك بسرعة وتتأخر الانخفاضات، من يتحمل الفارق في النهاية؟ إنه المستهلك الذي لا يملك قدرة على التفاوض، ولا يعرف أصلاً كم يساوي هامش كل حلقة بين الحقل والطبق.

والشفافية في هذه النقطة بالذات هي ما ينقص النقاش. فمن دون معرفة توزيع القيمة على طول السلسلة، يبقى الحديث عن الغلاء حديثاً عن ظاهرة بلا فاعل، كأن الأسعار تصعد وحدها.

ما الذي يتغير عند القارئ؟

عملياً، لا شيء يتغير في السوق بمجرد أن يعلن مؤشر ما عن تراجع. المواطن الذي ينتظر انفراجاً في أسعار الاستهلاك سيجد أن الانفراج الحقيقي يحتاج إلى أمرين: أجور تتحسن، وأسواق تتنافس. أما تباطؤ الزيادات فمجرد توقف عن النزيف، لا علاج للجرح.

ويبقى أن الخبر، كما نقله «هسبريس»، يضع الأصبع على فجوة في الخطاب العمومي نفسه. فكثيراً ما تُقدَّم النسب كأنها إنجاز يُحتفى به، بينما يقرأها الناس كأنها تعليق على جيوبهم.

سؤال بلا جواب في النشرة

إذا كان الغلاء قد استقر عند مستوى جديد، فمن سيعيد للأسرة المغربية ما فقدته خلال سنوات الصعود؟ ثم هل يُعقل أن نحتفل بأن الصعود صار أبطأ، بينما لم يعد أحد يتحدث عن النزول أصلاً؟

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية