أشعلت تصريحات متداولة في الأوساط التقنية جدلاً واسعاً، بعدما كشفت أن علماء وباحثين في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنية الحيوية عادوا إلى تدخين السجائر، لا بدافع التوتر بل من فرط ثقتهم بأن الخوارزميات التي يطورونها ستجعل علاج السرطان أمراً بسيطاً ومتاحاً في وقت قريب جداً.
المشهد يبدو سريالياً؛ باحث يقف أمام شاشات المعالجة العصبية المتطورة، ينفث دخان سيجارته باسترخاء، مؤمناً بأن الأسطر البرمجية التي يكتبها اليوم ستمحو غداً أعتى أورام الخبيث قبل أن تنال منه. الخبر الذي نقلته منصة “صدى البلد” ونوقش في أروقة التكنولوجيا العالمية، فتح الباب أمام سؤال معقد: هل وصلنا فعلاً إلى اللحظة التي تكسر فيها التكنولوجيا حاجز المستحيل الطبي، أم أن وادي السيليكون يبيع وهماً خطيراً يقارب الانتحار البطيء؟
ثقة عمياء في النماذج الرقمية
جاءت هذه التسريبات لتكشف نمطاً صادماً من التفكير داخل مختبرات الابتكار التقني. الحديث هنا لا يدور حول علاج كيميائي جديد أو عقار تجريبي خاضع لمراحل سريرية تمتد لسنوات، بل حول قفزة هائلة تعد بها الشبكات العصبية الاصطناعية وقدرتها على تفكيك الشيفرات الجينية وتصميم البروتينات بدقة ذرية غير مسبوقة.
الافتراض الذي يروجه هؤلاء المتفائلون يقوم على قدرة الذكاء الاصطناعي على اختصار عقود من التجارب الدوائية في بضعة أسابيع، وتحويل السرطان من مرض فتاك إلى مجرد خلل برمجي في الخلايا يمكن تصحيحه بكبسولة مصممة جينياً لكل مريض على حدة. وبحسب ما نُشر، فإن الإيمان بجدول زمني سريع لهذه الثورة دفع البعض إلى استباق النتائج وتجاهل التحذيرات الصحية التاريخية، متكئين على أمل تقني خالص.
لكن، كيف يتفق هذا التفاؤل الراديكالي مع واقع أن السرطان ليس مرضاً واحداً، بل مئات المتلازمات والتحورات المعقدة التي تراوغ المنظومات الحيوية منذ آلاف السنين؟
مفارقة المختبرات: هندسة البيانات أمام فوضى البيولوجيا
يرى خبراء التكنولوجيا أن دمج أدوات مثل التعلّم العميق في النمذجة الجزيئية حقق بالفعل اختراقات ملموسة، لكن المشكلة تكمن دائماً في الفجوة بين المحاكاة الرقمية والجسد البشري. الخوارزمية قد تصمم جزيئاً علاجياً فعالاً على الشاشة في ساعات، لكن إثبات أمانه داخل دورة دموية حية يتطلب وقتاً لا يمكن تسريعه بالضغط على زر “تشغيل”.
هنا تحديداً يبرز التناقض الصارخ الذي يعكسه سلوك هؤلاء الباحثين: كيف لعالم يفهم علم البيانات أن يغامر بخلية رئته الحية مقابل وعد حسابي لم يجتز بعد بوابات الهيئات الرقابية والدوائية؟
إنها مفارقة الحداثة الرقمية التي تمنح مطوريها إحساساً زائفاً بالألوهية التقنية؛ حيث يتحول الجسد إلى مجرد شفرة برمجية يُعتقد خطأً أن إعادة تشغيلها ممكنة دائماً عبر تحديث بسيط للنظام.
أين يقف المريض من هذا الضجيج؟
خارج أسوار المختبرات المترفة التي تدخن على حساب المستقبل، يقف الملايين في العالم في مواجهة بروتوكولات علاجية قاسية ومكلفة وبطيئة. وفي بلدان شمال إفريقيا، بما فيها المغرب، تعاني البنية الصحية من كلفة العلاجات المبتكرة وصعوبة وصول عموم المواطنين إليها.
إذا كانت مراكز الأبحاث الدولية تبشر بنهاية وشيكة للسرطان بفضل الخوارزميات، فإن السؤال الحقيقي الذي لا يجيب عنه المروجون هو: لمن ستكون هذه التقنية أولاً؟ وهل سيصل هذا الدواء الفوري إلى مريض في مستشفى عمومي بالدار البيضاء أو قرية في جبال الأطلس بنفس السرعة التي يصل بها إلى مهندس برمجيات في كاليفورنيا؟
التجربة مع الابتكارات الطبية الحديثة، من علاجات المناعة إلى الهندسة الوراثية، تؤكد دائماً أن التحدي ليس في الابتكار فقط، بل في دمقرطته واحتكار الشركات العملاقة لبراءات الاختراع، مما يجعلها منتجات حصرية للأثرياء لفترات طويلة.
فخ الغرور التقني
ما وراء هذا السلوك الصادم للباحثين ليس مجرد حكاية طريفة عن سجائر في مختبر، بل جرس إنذار يكشف حجم “الغرور التقني” الذي بات يحكم ثقافة شركات التكنولوجيا الكبرى. هناك ميل متعاظم لتصوير الذكاء الاصطناعي كمنقذ شمولي قادر على إلغاء قوانين الطبيعة والبيولوجيا بضربة لازب.
هذا الغرور لا يضلل العامة فحسب، بل يهدد بتحويل جهود الوقاية الأساسية إلى تفاصيل ثانوية. فحين يُشاع أن التكنولوجيا ستلغي عواقب العادات المدمرة مثل التدخين، تتراجع قيمة الوعي الصحي الوقائي لصالح رهان مجهول على آلات لم تقدم حتى الآن دواءً نهائياً واحداً معتمداً للأورام دون آثار جانبية.
يبقى السؤال الأكثر إحراجاً لهؤلاء المغامرين: إذا كان مهندسو المستقبل يراهنون بحياتهم على مجرد احتمالات رقمية لم تؤكدها الوقائع السريرية بعد، فكيف يُطلب من العالم أن يسلّم صحته ومستقبله لخوارزميات يديرها عقل يستسهل السموم؟







اترك تعليقاً