بنعطية ينتقد الجيل الجديد: هل الهاتف المتهم أم المنظومة كلها؟

بنعطية ينتقد الجيل الجديد: هل الهاتف المتهم أم المنظومة كلها؟

سؤال واحد، بحجم الشاشة، أعاد فتح نقاش قديم في الكرة المغربية: هل أفسدت الهواتف تركيز اللاعبين؟ الذي طرحه، بحسب ما نشره موقع Le12.ma، هو المهدي بنعطية، المدافع الدولي المغربي السابق، في انتقادات وصفها الموقع بـ«اللاذعة» في حق الجيل الجديد من اللاعبين.

العنوان الذي اختاره الموقع واضح في اتجاهه. الهاتف في قفص الاتهام، واللاعب الشاب في موقع المتهم. لكن المعطى المتاح لا يتجاوز العنوان وإشارته إلى حدّة النقد، ولذلك لن نضع على لسان الرجل جملة لم تُنقل إلينا. ما يمكن فعله هو قراءة الواقعة بما تعنيه، وطرح الأسئلة التي لم يجب عنها الخبر.

من هو صاحب الانتقاد؟

لا يتكلم بنعطية من خارج الملعب. هو لاعب لعب في أندية أوروبية كبرى، منها روما وبايرن ميونيخ ويوفنتوس، وارتدى شارة القميص الوطني المغربي. أي أنه عاش الاحتراف في بيئات صارمة تُحاسب على التفاصيل الصغيرة، من التغذية إلى النوم إلى الانضباط داخل المعسكرات.

هذا ما يعطي كلامه وزنه في النقاش. فحين يصدر النقد من لاعب سابق عن لاعبين حاليين، يميل الجمهور إلى تصديقه بوصفه شهادة من الداخل لا رأياً من المدرجات.

وهذا بالذات ما يستدعي الحذر. الشهادة من الداخل تظل شهادة شخص واحد، وجيلٍ واحد، وتجربة واحدة.

ما الذي يقوله العنوان فعلاً؟

يقول ثلاثة أشياء. الأول أن في الجيل الجديد مشكلة تركيز. والثاني أن الهاتف سبب محتمل لها، والصيغة هنا سؤال لا جزم. والثالث أن النقد جاء حاداً.

لا يقول العنوان إن اللاعبين المغاربة تحديداً هم المقصودون. ولا يحدد ناديًا أو منتخباً أو واقعة بعينها. ولا يقدّم دليلاً على أن التركيز تراجع فعلاً، ولا يقارن بين جيلين بأي مقياس معلن. هذه فجوات لا يملأها الخبر، ومن حق القارئ أن يعرف أنها موجودة.

أين الخلل؟

الهاتف سهل الاتهام. هو حاضر في كل يد، وصورته مألوفة: لاعب منحني الرأس على شاشة في الحافلة أو في غرفة الفندق. صورة تصلح لعنوان، لكنها لا تصلح وحدها لتفسير.

فالمشكلة قد تكون في الهاتف، وقد تكون في ما يفعله به اللاعب. الفرق كبير. لاعب يراجع مقاطع خصمه على شاشته ليس كلاعب يغرق في التعليقات والإشعارات قبل مباراة حاسمة. الجهاز واحد والاستعمال مختلف.

ثم هناك سؤال المسؤولية. اللاعب الشاب لا يصل إلى الاحتراف من فراغ. تمرّ عليه أكاديميات ومدربون وأجهزة تأطير وإداريون. فإن كان التركيز قد اختل حقاً، فمن علّمه كيف يحميه؟ وهل في مراكز التكوين المغربية ما يُعلّم اللاعب الشاب التعامل مع الشهرة والمتابعة الرقمية، أم أن الأمر متروك له وللمصادفة؟

من يربح من هذا النقاش؟

عنوان من هذا النوع رابح مضمون في سوق الانتباه. جدل بين جيلين يجذب القراءة والتعليقات، وهو يمنح الجميع موقعاً مريحاً. الجيل القديم يتأكد من تفوقه الأخلاقي، والجيل الجديد يجد ما يدافع عنه.

أما الخاسر المحتمل فهو النقاش الجاد. لأن تحويل المسألة إلى «الهواتف أفسدت الشباب» يعفي الجميع من أسئلة أصعب: كيف تُدار الأندية؟ ما برامج الدعم النفسي؟ وهل يتحمل لاعب في العشرين وحده ضغط الملايين من المتابعين؟

وللإنصاف، لا شيء في المعطى ينفي أن بنعطية طرح هذه الأسئلة نفسها في كلامه الكامل. ما بين أيدينا عنوان وإشارة، لا نص كامل. وهنا تكمن مفارقة العناوين: تختصر خطاباً مركباً في سؤال واحد، ثم يتعامل الناس مع السؤال كأنه الخطاب كله.

ماذا يعني هذا للقارئ المغربي؟

يعني أن الجدل سيبقى حاضراً مع كل منافسة كبيرة، وأن كل تعثر لمنتخب أو ناد سيُعلَّق مجدداً على شماعة الشاشة. وفي بلد يعلّق آمالاً كبيرة على جيله الكروي الصاعد، يصبح هذا النقاش أبعد من مزاج لاعب أو تصريح نجم سابق.

القارئ الذي يريد أن يفهم لا ينبغي أن يكتفي بالعنوان. عليه أن يعود إلى المصدر، وأن يسأل: ما الذي قيل بالضبط؟ وفي أي سياق؟ وبأي أمثلة؟ فالنقد اللاذع قد يكون ملاحظة صائبة، وقد يكون حنيناً إلى زمن لم يكن أفضل إلا في الذاكرة.

سؤال الفجوة

تبقى الحقيقة الأصعب: لا أحد يستطيع أن يقيس تركيز لاعب بدقة من الخارج. نقيسه بنتائج المباريات وأخطائها، وهي حصيلة عوامل كثيرة، ليس الهاتف أبرزها بالضرورة.

فإن كان الجيل الجديد قد فقد شيئاً من التركيز، فهل فقده في جيبه أم في المنظومة التي أحاطت به؟ ولو أُغلقت كل الهواتف غداً قبل صافرة البداية، هل كنا سنجد الأعذار نفسها بعنوان آخر؟

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية