وصف أيوب بوعدي أداء فريقه أمام مالي بأنه «جيد»، ووصف جمهور مدينة طنجة بأنه «رائع». هذا ما نقله موقع «هبة سبور» عن تصريحه بعد المباراة. جملتان قصيرتان، لكنهما تفتحان أسئلة أكثر مما تغلقها: ما الذي يعنيه «جيد» حين لا يرافقه رقم ولا نتيجة؟ ولماذا حضر الجمهور في التصريح بهذا الوضوح؟
ما قاله بوعدي بالضبط
يقوم الخبر على موقفين. الأول تقييم تقني عام لما قدمه الفريق في المباراة. الثاني تحية للمدرجات في طنجة. بحسب ما نشره «هبة سبور»، ربط اللاعب بين الأمرين: مباراة مرضية في الملعب، ودعم قوي في المدرجات.
هذا كل ما يتيحه المعطى المتوفر. لا يذكر مقتطف الخبر نتيجة اللقاء، ولا المسابقة، ولا موعد المباراة، ولا ما إذا كان بوعدي تحدث بعد فوز أو تعادل أو هزيمة. نذكر ذلك لأن القارئ يستحق أن يعرف أين ينتهي ما قيل وأين يبدأ ما نخمنه.
جملة تصلح لكل المباريات
تصريحات ما بعد المباراة لها قاعدة معروفة: حين تكون النتيجة سارّة، يتحدث اللاعب عن الأداء. وحين تكون مخيّبة، يتحدث عن الجمهور والروح والدروس. وفي الحالتين يشكر المدرجات.
لهذا لا نملك أن نحكم على عبارة «قدمنا مباراة جيدة» دون سياقها. قد تكون وصفاً صادقاً لمباراة محكمة. وقد تكون جملة مواساة بعد لقاء لم يمنح ما كان منتظراً. الخبر، كما وصلنا، لا يرجّح أيّاً من القراءتين.
لماذا طنجة بالذات؟
الإشادة بجمهور المدينة هي الجزء الأكثر دلالة في التصريح. طنجة مدينة كروية بذاكرة طويلة وشغف معروف بين أنصارها، ومن الطبيعي أن يلتفت إليها لاعب يلعب بين مدرجاتها. لكن الخبر لا يشرح ما الذي أبهر بوعدي تحديداً: حجم الحضور، أم الأجواء، أم التشجيع في لحظات الضغط؟
والسؤال الأبعد: هل الجمهور «الرائع» عنصر يُحسب في ميزان المباراة، أم مجاملة تقليدية تقال حيث تُلعب المباراة؟ في كرة القدم، كثيراً ما يتحول شكر الجمهور إلى عبارة جاهزة تتشابه من ملعب إلى آخر. أما حين يذكر اللاعب المدينة بالاسم، فربما أراد أن يقول إن لهذه المدينة أثراً خاصاً. ربما، لكن الخبر لا يؤكد ذلك.
أين الفجوة؟
الفجوة هنا بين ما قيل وما يحتاجه المتابع كي يتحقق منه. من يقول «قدمنا مباراة جيدة» يطلب من القارئ أن يصدّقه، بينما الحكم الحقيقي تصنعه المعطيات التي غابت عن المقتطف:
– كيف انتهت المباراة؟ – هل صنع الفريق فرصاً حقيقية أم اكتفى بالسيطرة؟ – ما موقع بوعدي نفسه في هذا الأداء؟
وهناك مفارقة صغيرة. تصريح يمدح الأداء الجماعي دون تفصيل، ويمدح الجمهور دون تفصيل، يترك المتابع المغربي أمام انطباع لا أمام معلومة. والمتابع في طنجة وخارجها يريد أن يفهم ما شاهده، لا أن يسمع تقييماً جاهزاً.
من يستفيد من هذه اللغة؟
اللاعب أولاً، لأن العبارة الإيجابية تحميه من الجدل وتبقيه في منطقة آمنة بعد المباراة. والمدينة ثانياً، لأن الإشادة بجمهورها تضيف إلى صورتها كمدينة تحتضن الكرة بحرارة. أما القارئ فهو الأقل استفادة، لأنه يغادر الخبر بجملتين لطيفتين وبلا إجابة عن أبسط سؤال: ماذا جرى في الملعب؟
وهذا لا يلوم اللاعب. دور اللاعب أن يتحدث بعد المباراة بما يراه مناسباً. الدور الصحفي هو أن نسأل ما الذي لم يُسأل، وما الذي لم يُقل.
ما الذي ينتظره القارئ المغربي؟
الجمهور المغربي اليوم أكثر وعياً بالكرة من أي وقت مضى، ويقارن ويحلل ويتابع التفاصيل. لم يعد يكتفي بعبارة «كنا جيدين»، ويريد أن يعرف أين كان الفريق جيداً وأين لم يكن. ومن هذه الزاوية، يبقى تصريح بوعدي نقطة بداية للنقاش لا نهايته.
وإذا أردنا أن نأخذ كلام اللاعب على محمل الجد، فإن أقل ما يطلبه هذا الجد هو أن نسمع تفاصيل المباراة من مصادر أخرى، وأن نقارن ما قاله بما رآه المتفرجون. فالمدرجات التي وُصفت بالرائعة شهدت المباراة بنفسها، ولها الحق في أن تكون شاهداً على التقييم لا مجرد موضوع له.
سؤال يبقى معلقاً
حين يقول لاعب إن مباراته كانت جيدة وإن الجمهور كان رائعاً، فمن يقيّم من في النهاية؟ هل يشكر الفريق جمهوره على الدعم، أم يطلب منه أن يصفق لأداء لم يُشرح بعد؟ وإذا كانت المباراة جيدة فعلاً، فلماذا لم يحمل الخبر ما يثبت ذلك؟







اترك تعليقاً