عنوان واحد على موقع «مصراوي» كان كافياً ليتصدر نتائج البحث: «تعرف على موعد جنازة وعزاء نجل زوج الفنانة أحلام». وفاة، وجنازة، وعزاء، وفنانة عربية معروفة في الخلفية. أما الراحل نفسه، فلا اسم له في العنوان.
هنا يبدأ السؤال. كيف يصير إنسان فقد حياته معروفاً للقراء بصفة قرابته فقط، ابناً لزوج مغنية؟
ما الذي نعرفه فعلاً؟
المعطى المتاح شحيح، ومن الأمانة أن نقولها صراحة. بحسب ما نشره «مصراوي»، فإن الخبر يتعلق بموعد جنازة وعزاء نجل زوج الفنانة أحلام. هذا كل ما في العنوان. لا يتضمن المقتطف المتاح لنا اسم الراحل، ولا سبب الوفاة، ولا تفاصيل الموعد أو المكان.
لذلك لن نخمّن. لن نذكر ساعة ولا مدينة ولا ظروفاً لم تَرِد. من يبحث عن الموعد بالتحديد عليه أن يعود إلى الخبر الأصلي عند الموقع، أو إلى ما تعلنه الأسرة نفسها.
وهذا بحد ذاته جزء من الحكاية: خبر وفاة يُقدَّم للقارئ على أنه معلومة خدمية، «موعد الجنازة والعزاء»، بينما الأهم فيه، من هو الراحل، يأتي في الدرجة الثانية.
اسم الفنانة يسبق اسم الفقيد
في الصحافة الفنية العربية عادة راسخة: حين يقع حدث حزين في محيط نجم، يتحول النجم إلى مدخل الخبر. العنوان لا يقول «وفاة فلان»، بل «نجل زوج الفنانة». سلسلة من ثلاث درجات قرابة تفصل الراحل عن الاسم الذي يجذب النقرات.
الأمر مفهوم تجارياً. اسم أحلام يُبحث عنه أكثر من أي اسم آخر في القصة. لكن هل هو مقبول مهنياً؟ الفقيد ليس شخصية عامة بحسب ما ورد في المعطى. هو ابن رجل، وأسرة تستقبل عزاءها.
ثم إن الخبر لا يقول إن الفنانة صرحت بشيء أو نشرت شيئاً. فما الذي يجعلها محور العنوان سوى الشهرة؟
موعد الجنازة: خدمة أم فضول؟
لنكن منصفين. نشر موعد الجنازة والعزاء له وظيفة اجتماعية حقيقية في الثقافة العربية. الناس يريدون أن يؤدوا الواجب، أن يحضروا الصلاة على الميت، وأن يقدموا العزاء لأهله. المغاربة، كغيرهم من العرب، يعرفون ثقل هذا الواجب: الجنازة تُحضر بسرعة، والعزاء يُؤدى في وقته.
لكن هذه الخدمة تفترض أن القارئ قريب من الأسرة أو من محيطها. فهل يحتاج قارئ مغربي في الدار البيضاء أو وجدة أو أكادير إلى معرفة موعد جنازة لن يحضرها؟ الأرجح أن غالبية من يضغطون على الرابط يفعلون ذلك من باب المتابعة لا الحضور.
وهنا الفجوة بين المعلن والواقع. العنوان يعد بمعلومة عملية، والقارئ العادي لن يستعملها أبداً. ما يبقى له هو الإحساس بأنه اطلع على خبر من حياة نجمة.
أين الخلل؟
ليس الخلل في نشر الخبر. الوفاة حدث، والصحافة تنقل الأحداث، وللأسرة المعروفة محيط يريد أن يعرف.
الخلل في ما يلي:
– تعريف الراحل بغيره، لا بنفسه. – وعد بمعلومة خدمية تتحول عملياً إلى مادة للتصفح. – غياب أي سياق إنساني عن الفقيد في ما بين أيدينا من الخبر.
وعلى المنصات التي تعيد تدوير هذه العناوين، ومنها مواقع مغربية كثيرة تنقل أخبار المشاهير العرب، يتضاعف الخلل. كل موقع يعيد الصياغة يبتعد خطوة عن الأسرة، وتقترب العبارة من أن تصبح وسماً للبحث لا خبراً عن إنسان.
ما الذي يعنيه هذا للقارئ المغربي؟
القارئ هنا يتلقى عشرات العناوين يومياً عن وفيات وأفراح وخلافات تخص نجوماً من المشرق. بعضها يستحق المتابعة، وبعضها يمر عبر نافذة العزاء ليبيع الفضول.
السؤال العملي: ما الذي يجعل خبراً كهذا مهماً لمن لا يعرف الأسرة؟ الجواب الصادق، في حدود المعطى، أنه لا شيء إلا اسم الفنانة. وهذا بالذات ما يستحق أن نتوقف عنده قبل النقر.
وللإنصاف، لا يعني هذا أن ننزع عن الخبر صفته الإنسانية. أسرة فقدت ابناً، ومن حق من يعرفها أن يعرف كيف يواسيها. لكن من حق الراحل كذلك أن يُذكر ذات يوم باسمه، لا بموقعه في شجرة قرابة ملحقة بشهرة غيره.
ما الذي لم يُقَل؟
لم يقل العنوان من هو الفقيد. لم يقل ما إذا كانت الأسرة هي التي أعلنت الموعد أو جهة أخرى. ولم يقل ما إذا كان الإعلان موجهاً للعموم أو لدائرة ضيقة. وهذه كلها أسئلة تغيّر معنى الخبر.
فإذا كان الإعلان موجهاً للمقربين، فنشره على نطاق واسع يطرح سؤالاً آخر عن حدود الخصوصية في لحظة الحزن. وإذا كان موجهاً للجميع، فلماذا لا يحمل اسم صاحبه؟
تلك أسئلة لا يجيب عنها المعطى، ولا يحق لنا أن نجيب عنها نيابة عن أصحابها.
سؤال أخير
حين نبحث عن موعد جنازة إنسان لا نعرف اسمه، هل نواسي أسرة، أم نتابع حلقة جديدة من مسلسل المشاهير؟







اترك تعليقاً