حين يقف خبراء التكنولوجيا أمام مسؤولين في مدينة بحجم نيويورك ويحذرونهم من الذكاء الاصطناعي، فالأمر لا يشبه نقاشاً أكاديمياً عابراً. هذا ما أوردته بوابة الشروق في خبرها، وهو عنوان يكفي وحده لإثارة الأسئلة: ما المخاطر المقصودة بالضبط؟ ومن هم الخبراء؟ وماذا يُنتظر من المسؤولين أن يفعلوا؟
الخبر، بحسب ما نُشر، يقوم على فكرة واحدة واضحة: مختصون في التقنية دقّوا ناقوس الخطر أمام مسؤولي المدينة. أما التفاصيل، أي الأسماء والجلسة وتاريخها والإجراءات المطروحة، فلا يتيحها المعطى المتوفر لنا. لذلك نكتفي بما هو مؤكد، ونسأل عمّا غاب.
ما الذي نعرفه فعلاً؟
القليل، وهذا القليل يستحق الانتباه.
نعرف أن الجهة المحذِّرة هي خبراء تكنولوجيا، لا سياسيون ولا معارضون ولا ناشطون. وهذا مهم، لأن التحذير حين يصدر من داخل الصناعة أو من قريب منها يختلف وزنه عن تحذير يصدر من خارجها. من يعرف كيف تُبنى هذه الأنظمة هو الأقدر على تخمين مواضع انكسارها.
ونعرف أن المخاطَبين مسؤولون في نيويورك، أي أصحاب قرار محلي يديرون مرافق وخدمات وميزانيات. الرسالة إذن موجهة إلى من يملك سلطة التنفيذ، لا إلى الرأي العام وحده.
ونعرف أن العنوان يتحدث عن «مخاطر» الذكاء الاصطناعي بصيغة الجمع، دون أن يحدد أياً منها في ما بين أيدينا.
هنا يبدأ الإشكال.
الفجوة بين التحذير والتفاصيل
التحذير العام رخيص. أن يقول أحدهم إن الذكاء الاصطناعي ينطوي على مخاطر جملة لا تُكلّف قائلها شيئاً، ولا تُلزم سامعها بشيء. القيمة الحقيقية تظهر حين يُسمّى الخطر ويُقاس ويُربط بإجراء محدد.
فما المقصود هنا؟ هل هي الخوارزميات التي قد تتحيز ضد فئات بعينها حين تُستعمل في التوظيف أو الخدمات؟ هل هي المراقبة وجمع البيانات الشخصية؟ هل هي المحتوى المفبرك الذي يصعب تمييزه عن الحقيقي؟ هل هي مصير الوظائف؟ هذه كلها مخاوف معروفة ومتداولة عن الذكاء الاصطناعي عموماً، لكن الخبر، في ما وصلنا منه، لا يقول أيها كان على الطاولة.
وهذا الفرق ليس تفصيلاً. فالمخاوف الأربعة تحتاج إلى أربعة علاجات مختلفة: تشريع للبيانات في الأولى، وتدقيق للأنظمة في الثانية، وأدوات للتحقق في الثالثة، وسياسات للتكوين وسوق الشغل في الرابعة.
من يربح من التحذير؟
سؤال لا بد منه في كل تحذير تقني. حين يطالب أهل الصنعة بالحذر، قد يكون ذلك حرصاً صادقاً على المصلحة العامة. وقد يكون أيضاً، في حالات أخرى، تمهيداً لتنظيم يناسب شركات كبرى أكثر مما يناسب الصغيرة منها، أو بحثاً عن عقود استشارة وتدقيق.
لا شيء في المعطى يسمح بتوجيه اتهام لأحد، ولن نفعل. لكن السؤال مشروع ما دام الخبر لم يكشف من هم الخبراء ولا من يمثلون. فالقارئ الذي يريد أن يزن التحذير يحتاج أن يعرف من يتكلم قبل أن يقرر كم يصدّق.
وفي المقابل، هل المسؤولون في نيويورك متحمسون لاستعمال هذه التقنيات في إدارة المدينة، فجاء التحذير كبحاً لحماسهم؟ أم أنهم مترددون فجاء كدعم لتردد قائم؟ الخبر لا يجيب، والجواب يغير قراءة القصة كلها.
وما شأننا في المغرب؟
قد يبدو نقاش مسؤولي مدينة أمريكية بعيداً عن المقهى المغربي. لكنه أقرب مما يظن كثيرون.
فالأدوات نفسها، من مساعدات المحادثة إلى أنظمة التعرف وتحليل الصور، تصل إلى المغرب من القنوات ذاتها التي تصل منها إلى نيويورك. والإدارات والشركات والبنوك عندنا تجرّب هذه الحلول أو ستجرّبها. وما يحذّر منه الخبراء هناك قد يطرح علينا بصيغة أخرى هنا.
وللمغرب إطار قانوني قائم لحماية المعطيات الشخصية، هو القانون 09-08 الذي تراقب تطبيقه اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. لكنه صدر قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي أداة في متناول الجميع. فهل يكفي نص كُتب لزمن آخر ليحمي المواطن من تقنيات لم تكن في حسبان واضعيه؟ هذا سؤال لا يجيب عنه خبر نيويورك، لكنه يفرض نفسه علينا.
والمواطن العادي لا يحتاج أن ينتظر تشريعاً ليبدأ في حماية نفسه. يكفيه أن يتعامل بحذر مع المحتوى الذي يصله، وأن يسأل قبل أن يسلّم بياناته لأي تطبيق: أين تذهب هذه المعلومات، ولمصلحة من؟
سؤال الجدوى
تحذيرات الخبراء تتكاثر في العالم منذ أن دخل الذكاء الاصطناعي الحياة اليومية. وهذا يطرح سؤالاً صحفياً بسيطاً: ما الذي يتغير بعد كل تحذير؟ هل يتحول إلى قرار، أم يبقى جملة في خبر يُنسى بعد يوم؟
الخبر الذي بين أيدينا لا يقول إن أحداً التزم بشيء. ولا يقول إن المسؤولين وعدوا بمراجعة أو بتأجيل أو بوضع ضوابط. وهذا الصمت هو الجزء الأهم في القصة.
فالتحذير بلا متابعة يشبه إشارة مرور تضيء في تقاطع لا يمر منه أحد. وما يهم القارئ، في نيويورك كما في الدار البيضاء، ليس أن يسمع أن هناك خطراً، بل أن يعرف من سيتحمل مسؤولية تفاديه.
فإذا كان الخبراء يحذرون والمسؤولون يستمعون، فمن الذي سيحاسَب حين تقع الأخطاء التي حُذّر منها؟







اترك تعليقاً