وضعت الشرطة المصرية في القاهرة يدها على سيدة بعد اعتدائها على سائق سيارة نقل ذكي، في مشهد بدأ بمشادة عادية داخل مركبة وانتهى بجريمة استعراض نفوذ وادعاء باطل. السيدة، بحسب ما نشرته «بوابة أخبار اليوم» الإلكترونية، لم تكتفِ بتعنيف السائق جسدياً ولفظياً، بل سارعت إلى إشهار ورقة السلطة في وجهه مدعية أنها متزوجة من ضابط شرطة. حادثة تبدو للوهلة الأولى شأناً محلياً في شوارع العاصمة المصرية، لكنها في العمق تفتح جرحاً مشتركاً ومألوفاً لدى كل مواطن مغربي يركب سيارات «التطبيقات» أو يقف يومياً في مواجهة ثقافة «واش كتعرف مع من كتهضر؟».
ما الذي يدفع مواطناً عادياً، بمجرد نشوب خلاف على مسار رحلة أو تسعيرة، إلى تحويل نفسه لظل رجل سلطة؟
كواليس الاعتداء: سلطة متخيلة وراء مقود السيارة
تفاصيل الواقعة، كما أوردتها الصحافة المصرية، تشير إلى أن التدخل الأمني جاء عقب بلاغ رسمي تقدم به سائق النقل الذكي، بعدما وجد نفسه ضحية اعتداء مباغت من طرف الزبونة. الأمر لم يقف عند حدود الصراخ أو تبادل الشتائم المألوف في زحام المدن الكبرى، بل انتقل إلى محاولة ترهيب معلن: التلويح بنفوذ الزوج المزعوم وشارة الشرطة لخنق أي محاولة للشكوى أو الرفض.
تحركت الأجهزة الأمنية في القاهرة وأوقفت المتهمة للتحقيق معها حول ملابسات الاعتداء والادعاء الكاذب. القضية الآن أمام العدالة، لكن الصورة التي تسربت إلى منصات التواصل الاجتماعي حركت مياهاً راكدة تتجاوز حدود الجغرافيا المصرية، لتصل مباشرة إلى النقاش اليومي في الدار البيضاء، الرباط، وطنجة.
هناك فارق قانوني طفيف بين نظام وآخر، لكن السلوك البشري أمام وهم النفوذ يكاد يتطابق. حين يجد شخص نفسه محشوراً في زاوية ضيقة، يلجأ فوراً إلى استدعاء جهاز الدولة ليكون عصاه الخاصة ضد من يراهم «أدنى منه» اجتماعياً أو مهنياً.
انعكاس المشهد في الشارع المغربي: حين يصبح السائق حائطاً قصيراً
في المغرب، يعيش سائقو تطبيقات النقل الذكي وضعاً يفيض بالمفارقات. من جهة، يقدمون خدمة باتت حيوية لملايين المواطنين الباحثين عن مفر من أزمة النقل التقليدي. ومن جهة أخرى، يشتغلون في مساحة رمادية قانونياً، ما يجعلهم هدفاً سهلاً ومستمراً لشتى أنواع الضغط والابتزاز.
كم من سائق تطبيق في المغرب سمع عبارات التهديد المبطن من زبائن يشيرون إلى هواتفهم قائلين: «اتصل بفلان دابا ينزل لك الصنك»؟
الواقعة القاهرية تتقاطع تماماً مع ما يواجهه الشباب المغاربة المشتغلون في هذه المنصات. فهم لا يواجهون فقط مطاردات سيارات الأجرة التقليدية في محطات القطار والمطارات، بل يصطدمون أحياناً بزبائن يعتقدون أن دفع ثمن رحلة يمنحهم حق امتلاك السائق وإهانته. وعندما يحتج السائق، تبرز فوراً ترسانة الأسماء: «عمي مسؤول»، «خالي قاضي»، أو «صديق العائلة في الأمن».
ما أظهرته واقعة القاهرة هو أن ثقافة الترهيب بالبدلة الرسمية لم تعد مقبولة أمنياً في دول تطمح لترسيخ سيادة القانون، حيث قادت تلك «الهفوة» صاحبتها إلى مخفر الشرطة لا إلى فرض إرادتها.
الاستقواء بالنفوذ: فجوة بين دولة المؤسسات وعقلية الامتيازات
يطرح هذا الملف إشكالاً صحفياً واجتماعياً حارقاً: لماذا يظل الرهان على اسم مسؤول أمني أو قضائي هو السلاح الأول لدى البعض لتسوية النزاعات البسيطة في الفضاء العام؟
الجواب يكمن في الفجوة الواسعة بين ما تقرره القوانين وبين ما استقر في الوعي الجمعي لعقود. في المغرب كما في مصر، قطعت الأجهزة الأمنية أشواطاً معلنة في التشديد على أن لا أحد فوق القانون، وأن بطاقات المهنة وعلاقات المصاهرة لا تحمي المخالفين. لكن على الأرض، لا يزال جزء من المجتمع يؤمن بأن القانون مجرد نص يمكن الالتفاف عليه بمكالمة هاتفية، أو بصرخة استعراضية في الشارع توهم الحاضرين بنفوذ غير موجود.
هذه العقلية لا تضر فقط بهيبة الأجهزة الأمنية التي يُزج باسمها في شجارات مرورية تافهة، بل تمزق السلم الاجتماعي. إنها تحول العلاقة بين مقدم الخدمة والمستهلك من علاقة تجارية محترمة تخضع لبنود القانون والتقييم الرقمي، إلى صراع طبقي بدائي يستعمل فيه كل طرف ما تيسر له من خيوط ترهيب.
أين تكمن المفارقة في قطاع النقل الذكي؟
المفارقة الكبرى التي تفجرها هذه القضية تتعلق بطبيعة قطاع النقل الذكي نفسه. التطبيقات تأسست أصلاً لتقليص الاحتكاك البشري غير المنضبط، وفرض شفافية رقمية تسجل المسار، التوقيت، والبيانات الشخصية للطرفين. ومع ذلك، يفشل النظام الرقمي كلما اصطدم بعقلية تقليدية تؤمن بأن «الاسم العائلي» أقوى من نظام تحديد المواقع (GPS).
لو كان سائق القاهرة يقود وسيلة نقل تقليدية، لربما انتهى الأمر بابتلاعه الإهانة خوفاً من المجهول، كما يفعل الكثير من البسطاء في شوارعنا. لكن البيئة الموثقة لمنصات النقل، وتنامي وعي الأفراد بحقوقهم، مكّنا السائق من كسر جدار الصمت واللجوء للعدالة، لتسقط فوراً أسطورة «زوجة الضابط».
ما الذي يجب أن يتغير في الواقع المغربي إذن؟
لا يمكن حماية مئات الآلاف من الشباب المغاربة العاملين في تطبيقات النقل ما لم يُحسم وضعهم القانوني أولاً، حتى لا يظلوا الفئة الأضعف في كل احتكاك مروري. فحين يشعر السائق بأنه محمي بقانون الدولة، فلن يرهبه ادعاء ولا استعراض، ولن تجد أوهام النفوذ متسعاً للعيش في الفضاء المشترك.
هل نحتاج إلى اعتقالات استعراضية مماثلة في شوارعنا لنقتنع أخيراً بأن زمن «باك صاحبي» و«زوجي في الأمن» قد ولى، أم أن وهم الحصانة أقوى من كل بلاغات التحديث المؤسساتي؟







اترك تعليقاً