لم تكد جماهير الشمال تستفيق من ترقبها لجولة جديدة من البطولة الوطنية، حتى دوّت صافرة النهاية على وقع صدمة ثقيلة لم تكن في الحسبان: أربعة أهداف دون رد، استقرت كاملة في شباك المغرب التطواني داخل قواعده وأمام جمهوره، لحساب ضيفه الدفاع الحسني الجديدي.
النتيجة التي نقل تفاصيلها موقع «أنوار بريس» لم تكن مجرد خسارة ثلاث نقاط عابرة في جدول الترتيب؛ بل جاءت أشبه بزلزال تقني ومعنوي ضرب معقل «الحمامة البيضاء»، وطرح علامات استفهام مقلقة حول مسار الفريق هذا الموسم وواقع كرة القدم في منطقة طنجة تطوان عموماً. كيف تحول ملعب كان يُرهب الخصوم إلى مسرح مفتوح لهجوم دكالة يسجل فيه كما يشاء؟
أرقام قاسية وصمت في المدرجات
جاءت تفاصيل المواجهة صادمة لمن تابع مجرياتها؛ اندفاع هجومي مدروس من جانب الدفاع الحسني الجديدي قابله تيه دفاعي وشرود ذهني غير مفهوم لعناصر المغرب التطواني. أربعة أهداف متتالية عكست الفارق الصارخ في الجاهزية والفعالية بين فريق عرف ماذا يريد من المباراة، وفريق بدا عاجزاً عن حماية مرماه قبل التفكير في الوصول إلى شباك المنافس.
الخسارة برباعية نظيفة على الأرض لا تحدث كل يوم لأندية الشمال ذات التقاليد العريقة. إنها واحدة من أقسى الهزائم التي تجرعها الجمهور التطواني داخل ملعبه منذ مواسم. ومع كل هدف كان يمزق شباك أصحاب الأرض، كان الوجوم يسيطر على المدرجات وتتعالى الهمسات التي تحولت سريعاً إلى صيحات غضب واستنكار. ما نقله الميدان لم يكن مجرد تعثر تكتيكي يمكن تبريره بغياب لاعب أو سوء حظ أمام المرمى، بل انهيار جماعي في الخطوط الخلفية وغياب تام لرد الفعل طوال تسعين دقيقة.
صدمة تمتد إلى الجوار الشمالي
لا يمكن قراءة هذه الهزيمة بمعزل عن سياقها الجغرافي والرياضي؛ فالشارع الرياضي في طنجة، الذي يراقب تفاصيل الجوار باهتمام وشغف دائمين بحكم التنافس التاريخي ووشائج القربى الكروية، تلقى نتيجة تطوان بدهشة بالغة. كرة القدم في جهة طنجة تطوان الحسيمة تعيش وضعاً استثنائياً يتأرجح بين طموحات التتويج والتنافس، وبين كوابيس أزمات التسيير والتراجع المفاجئ على المستطيل الأخضر.
حين يسقط المغرب التطواني برباعية على أرضه، يشعر المتابع الشمالي أن ثمة خللاً بنيوياً يتكرر في أندية المنطقة، حيث لا تكاد الأندية تلتقط أنفاسها وتثبت أقدامها حتى تعود إلى دوامة النتائج السلبية التي تضع مصيرها في مهب الريح. التنافس المحلي بين أقطاب الشمال يفقد بريقه وقيمته حين تسقط الفرق بهذه الطريقة القاسية أمام ضيوف قادمين من خارج الجهة، مدججين بالرغبة والواقعية لاقتناص النقاط دون عناء كبير.
أين تكمن الفجوة بين الوعود والواقع؟
الحديث عن طموحات بناء مشروع رياضي قوي، والمنافسة على المراتب المتقدمة، وتقديم كرة هجومية ممتعة، كلها شعارات سمعها جمهور تطوان والشمال مراراً منذ انطلاق الموسم. لكن النتيجة الصادمة أمام الدفاع الحسني الجديدي تضع كل هذه الوعود أمام المرآة القاسية: أين ذهبت التحضيرات التقنية؟ وما جدوى الخطط التكتيكية إذا كان الفريق ينهار كلياً عند تلقي الهدف الأول؟
الفجوة بين الخطاب الإداري والواقع الفني تبدو شاسعة. الدفاع الجديدي لم يحتج إلى معجزة تكتيكية ليكتسح المباراة، بل استغل ببساطة ثغرات دفاعية فادحة وخط وسط كان شبه غائب، ما فتح شوارع واسعة أمام مهاجمي الفريق الدكالي. السؤال المحرج الذي لم تجب عنه أطوار المباراة: كيف لفريق يملك تاريخاً من الألقاب والبطولات أن يقف مكتوف الأيدي، عاجزاً عن تشكيل ردة فعل واحدة تليق بقيمة قميصه وكرامة ملعبه؟
من المستفيد ومن يدفع الثمن؟
في مثل هذه المحطات الكروية الفاصلة، يكون المستفيد واضحاً للعيان: الدفاع الحسني الجديدي الذي عاد بحصاد ثمين من أقصى الشمال، رافعاً معنويات عناصره ومؤكداً نجاعة اختياراته في هذه الجولة. في المقابل، فإن الخاسر الأكبر ليس المدرب أو الإدارة، بل الجمهور الوفي الذي يقطع المسافات ويقتطع من وقته وماله ليجد فريقه مستسلماً بهذه الحدة داخل معقله.
الجماهير في تطوان، ومعها كل متابعي الشأن الكروي في الشمال، ترى أن الأزمة تتجاوز مجرد سوء تقدير في مباراة واحدة. ثمة غياب لروح القتالية، وثمة تساؤلات جدية حول مدى استيعاب اللاعبين للضغط النفسي المرتبط باللعب أمام جماهير متطلبة لا ترضى بأنصاف الحلول. هل باتت الأزمة أزمة انضباط وتركيز، أم أن قدرات التركيبة البشرية الحالية لا تسعف لمجاراة إيقاع البطولة حين ترتفع حدة التنافس؟
هل يستيقظ الشمال قبل فوات الأوان؟
إن الرباعية التي استقرت في شباك التطوانيين ليست مجرد تفصيل عابر في أرشيف النتائج، بل هي جرس إنذار حاد يدق في أروقة النادي، ويصل صداه إلى كل ركن في أندية الشمال التي باتت بحاجة ملحة إلى مراجعة حساباتها التسييرية والفنية. لا يمكن الاستمرار في تبرير الانتكاسات الكبرى بمبررات ضغط المباريات أو التحكيم، فالأرقام لا تكذب، وأربعة أهداف على الأرض عنوان صريح لعجز دفاعي وفوضى تنظيمية تتطلب تدخلاً حاسماً وفورياً.
الكرة الآن في مرمى المسؤولين عن الشأن الرياضي في النادي لتشريح ما جرى بجرأة ودون مواربة، فالشارع الرياضي في تطوان والجهة عموماً لن يقبل بمرور هذه الحادثة كأنها سحابة صيف عابرة. فهل تكون هذه الرباعية الصادمة نقطة الصدمة الإيجابية التي تفرض غربلة شاملة وتصحيحاً للمسار، أم أنها بداية انحدار بطيء نحو مجهول كروي لا يرغب أحد في الشمال في رؤية نهايته؟







اترك تعليقاً