تعود الدعوات إلى مقاطعة منتجات «سنطرال دانون» إلى الواجهة بعد زيادات جديدة في الأسعار، بحسب ما نشره موقع «الحياة اليومية». الدعوات تتداولها صفحات ومواقع التواصل بين مغاربة يرون أن فاتورة الحليب والياغورت ومشتقاتهما لم تعد تُحتمل. لكن السؤال الذي يتجاوز الغضب الآني: هل تغيّر المقاطعة شيئاً في سوق يعرف المستهلك فيه شركاته الكبرى جيداً؟
ما الذي حدث بالضبط؟
الخبر، في صيغته المنشورة، قصير: زيادات جديدة في أسعار منتجات الشركة، تعقبها دعوات إلى مقاطعتها. هذا هو المعلوم. أما ما لم يرد في المعطى، فهو بالذات ما يحتاجه القارئ ليحكم: ما حجم الزيادة؟ وفي أي المنتجات؟ ومنذ متى سُريَت؟ وهل أعلنت الشركة سبباً لها؟
لا نملك هنا أرقاماً ولا تبريراً رسمياً، ولن نخترعهما. وهذا الفراغ نفسه جزء من القصة، لأن النقاش العمومي يدور حول زيادة لا تعرف الأغلبية تفاصيلها.
مقاطعة بذاكرة
القارئ المغربي لا يحتاج من يشرح له معنى المقاطعة. فقد عرفت البلاد في السنوات الماضية حملة مقاطعة شعبية طالت شركة «سنطرال» نفسها، إلى جانب علامات تجارية أخرى، وكانت مدفوعة بغلاء المعيشة. تلك الحملة صارت مرجعاً في النقاش كلما ارتفعت الأسعار من جديد.
لذلك فإن عودة الدعوات اليوم ليست حدثاً معزولاً. إنها تستدعي تجربة سابقة، وتضع الشركة أمام جمهور يتذكر ما جرى ويعرف أن الاحتجاج بالامتناع عن الشراء ممكن.
أين الخلل؟
هنا تبرز أسئلة لا يجيب عنها الخبر.
الأول: ما المبرر المعلن للزيادة؟ حين ترتفع أسعار منتج استهلاكي يومي، يُفترض أن يرافقها توضيح يشرح الكلفة. غياب التوضيح في المعطى المتاح يترك الساحة للتأويل، والتأويل في زمن الغلاء لا يكون رحيماً.
الثاني: هل الزيادة وحدها سبب الغضب، أم هي القطرة التي أفاضت كأساً ممتلئاً أصلاً؟ المستهلك الذي يرى أسعار الغذاء ترتفع من كل جهة لا يفرّق كثيراً بين زيادة وأخرى. يرى سلسلة متصلة، ويبحث عن حلقة يقاطعها.
الثالث: ما مدى قدرة المستهلك على الاستغناء؟ الحليب ومشتقاته ليست كماليات في كثير من البيوت، خصوصاً مع وجود أطفال. المقاطعة تنجح حين تتوفر بدائل مقنعة في السعر والجودة. فهل هي متوفرة للجميع في كل المدن والأحياء؟
من يربح ومن يدفع؟
حين ترتفع الأسعار، يدفع الفرق المستهلك فوراً. أما الربح فلا يمكن الجزم بمن يجنيه دون أرقام عن الكلفة والهوامش، وهي أرقام غير واردة في الخبر. لا نعرف إن كانت الزيادة تغطي كلفة فعلية أم توسّع هامش الربح.
لكن يمكن قول شيء واحد بثقة: المستهلك هو الطرف الوحيد الذي لا يملك معلومات كافية وهو من يتحمل النتيجة. وهذه معادلة غير متوازنة بطبيعتها، سواء كانت الزيادة مبررة أم لا.
وفي الجهة المقابلة، قد تتضرر أطراف أخرى من المقاطعة إن اتسعت، كالموزعين وأصحاب المتاجر الصغيرة الذين يعيشون من حركة البيع اليومية. وهذا ما يجعل الأمر أعقد من مواجهة بين مستهلك وشركة.
ما الذي يتغير فعلاً عند الأسرة؟
على مستوى البيت المغربي، الأمر عملي وبسيط: علبة أغلى في السلة الأسبوعية، وميزانية تُعاد ترتيبها. بعض الأسر ستقلّص الكمية، وبعضها سيبحث عن علامة أخرى، وبعضها سيواصل الشراء مضطراً.
أما الدعوة إلى المقاطعة فتظل اختياراً فردياً يتحول إلى قوة فقط حين يتحول إلى سلوك جماعي. وحتى الآن، لا يتضمن المعطى ما يدل على حجم الاستجابة لهذه الدعوات، ولا على أثرها في المبيعات. فنحن أمام دعوات، لا أمام نتائج.
الصمت أم التوضيح؟
الشركة، في ما نُشر، لا يُنسب إليها موقف، ولن ننسب إليها واحداً. لكن التجربة تقول إن غياب التواصل في لحظات كهذه يكلّف أكثر مما تكلّف الشروح. فالمستهلك الذي يُترك بلا جواب يملأ الفراغ بأسوأ الاحتمالات.
والسؤال الأوسع يخص السوق كلها: ما الذي يضمن ألا تتكرر الدورة نفسها، زيادة فغضب فمقاطعة فهدوء، ثم زيادة جديدة؟ إن كانت المقاطعة هي الأداة الوحيدة في يد المستهلك، فهذا بحد ذاته جواب مقلق عن حجم الأدوات الأخرى.
وهكذا تبقى الأسعار تصعد على الدرج، والمستهلك يصعد معها، حتى يسأل أحدهم أخيراً: من سيضع حداً لهذا الدرج، إن لم يكن الغضب كافياً؟







اترك تعليقاً