وصفت الجزائر قضية الصحراء الغربية، على لسان وزير خارجيتها، بأنها «قضية تصفية استعمار»، وقالت إنه لا سبيل إلى بناء استقرار في المنطقة ما لم يُنصَف شعبها. هذا ما نقلته وكالة الأنباء الصحراوية، التي تتبنى الرواية الانفصالية، في خبر عن تصريح الوزير. والسؤال الذي يفرض نفسه على القارئ المغربي: هل نحن أمام موقف جديد، أم أمام تكرار لخطاب قديم يُعاد تدويره في كل مناسبة؟
ما الذي ورد في الخبر؟
الخبر، كما نشرته الوكالة، قصير في عناصره الأساسية، وهي ثلاثة.
الأول توصيف قانوني وسياسي: الملف، في نظر الوزير، يندرج ضمن تصفية الاستعمار، لا ضمن نزاع إقليمي بين دولتين. الثاني ربط مباشر بين الاستقرار الإقليمي وما سماه إنصاف الشعب الصحراوي. أما الثالث فهو أن المعطى المنشور لا يتضمن تفاصيل عن مكان التصريح أو مناسبته، ولا عن المقصود بالإنصاف: أهو استفتاء؟ أم حل تفاوضي؟ أم شيء آخر؟
هذه الفجوة في التفاصيل ليست هامشية. فعبارة «الإنصاف» مطاطة بما يكفي لتتسع لتأويلات متناقضة، وكل طرف يملأها بما يوافق موقفه.
من يتحدث، ومن ينقل؟
لا بد من التوقف عند الوسيط. الخبر لم يصلنا من منبر محايد، بل من وكالة الأنباء الصحراوية، وهي الجهة الإعلامية الناطقة باسم جبهة البوليساريو. وهذا لا يعني أن التصريح مختلق، فلا دليل في المعطى على ذلك، لكنه يعني أن الاختيار والتركيز والعنونة تخدم زاوية بعينها.
وهنا يظهر سؤال صحفي بسيط: حين يتحدث وزير دولة عن ملف، ثم يتولى الطرف المعني بالملف نشر كلامه وإبرازه، فهل نقرأ دبلوماسية أم تقاطع مصالح معلناً؟
أين الخلل في المنطق المعلن؟
الحجة الجزائرية تقوم على معادلة واضحة: لا إنصاف، إذن لا استقرار. لكنها تترك أسئلة معلقة.
أولها: من يحدد معنى الإنصاف؟ ففي المقابل يطرح المغرب، كما هو معروف، مبادرة الحكم الذاتي تحت سيادته أساساً للحل، وقد وصفها مجلس الأمن في قراراته بأنها جدية وذات مصداقية. فإذا كان الإنصاف مطلباً مشروعاً، فلماذا يُختزل في تفسير واحد يُقصي المقترح المطروح على الطاولة؟
وثانيها: كيف يتفق خطاب «تصفية الاستعمار» مع واقع أن الجزائر نفسها تقدم نفسها طرفاً مراقباً لا طرفاً في النزاع؟ فالوزير يتحدث بلغة من يملك موقفاً حاسماً، بينما الموقف الرسمي المعلن يضعها خارج دائرة الخصومة. أي الصورتين هي الأقرب إلى الحقيقة؟
وثالثها يتعلق بالاستقرار نفسه. إذا كانت الجزائر حريصة عليه حقاً، فما الذي تغير في الوضع الإقليمي كي تربطه بشرط واحد لا غير؟ المنطقة المغاربية تدفع منذ سنوات ثمن الجمود: حدود برية مغلقة، واتحاد مغاربي معطل، وفرص اقتصادية ضائعة.
ما الذي يعنيه هذا للمغربي؟
قد يبدو التصريح بعيداً عن الحياة اليومية، لكنه ليس كذلك تماماً. فكل جولة من هذا الخطاب تعني أن أفق التطبيع بين البلدين الجارين ما زال مؤجلاً، وأن إغلاق الحدود وما يرتبط به من كلفة اقتصادية وإنسانية على سكان المناطق الحدودية يبقى قائماً.
والأهم أن الخطاب يُوجَّه إلى جمهور دولي ومحافل أممية، حيث تُخاض معركة الصياغات: هل يُقرأ الملف باعتباره نزاعاً حول السيادة والأرض، أم قضية حق في تقرير المصير؟ والمغرب يعرف أن المعركة هنا تدور على المفردات بقدر ما تدور على الوقائع.
المعلن والمسكوت عنه
المعلن في التصريح هو الدفاع عن شعب وعن مبدأ. أما المسكوت عنه فهو غياب أي إشارة، في ما نُشر، إلى مسار تفاوضي ملموس، أو إلى سقف زمني، أو إلى الموقف من المقترحات المطروحة فعلاً. الخطاب يصف المشكلة بدقة عالية، ويترك الحل غامضاً.
وليس هذا غريباً في السياسة، فالشعارات أرخص من التسويات. لكن كلفة الشعار تُدفع على امتداد الجغرافيا، من مخيمات تندوف إلى القرى الحدودية، ومن طاولات الأمم المتحدة إلى جيوب المواطنين المغاربيين الذين لم يُسألوا عن شيء.
من يربح من بقاء الوضع كما هو؟
هذا هو السؤال الذي لا يجيب عنه الخبر، ولا يجرؤ كثيرون على طرحه. فحين يطول نزاع عقوداً، تتكوّن حوله مصالح وخطابات وأجهزة ومنابر تعيش عليه. وكل حل يعني نهاية هذه المنظومة أو تحولها.
لا نتهم هنا أحداً بعينه، فالمعطى لا يسمح بذلك. لكن من حق القارئ أن يسأل: إذا كان الاستقرار هدفاً حقيقياً لكل الأطراف، فلماذا لا يزال يبدو بعيداً بعد كل هذه السنين من التصريحات المتطابقة؟
وإذا كان إنصاف الشعوب شرطاً للسلام، فمتى يُنصَف شعب المنطقة كله، من وجدة إلى الجزائر العاصمة، من حدود مغلقة وجوار مؤجل منذ عقود؟







اترك تعليقاً