عنوان واحد نُشر على موقع «طنجة 24» يكفي ليعيد اسم رالف توليدانو إلى واجهة النقاش في المدينة: «طنجة بعيون رالف توليدانو.. حكاية عائلة ومدينة وذاكرة لا تغيب». المعطى المتاح عن المادة محدود، فهو لا يتجاوز العنوان وسطر الفئة، لكن العنوان نفسه يرسم الإطار: عائلة، ومدينة، وذاكرة ترفض أن تُمحى. والسؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي تبقّى من هذه الذاكرة على الأرض، وليس في الكلمات فقط؟
ما الذي قيل فعلاً؟
بحسب ما نُشر، تقدّم المادة طنجة من زاوية شخصية، بعيني رالف توليدانو، وتربط مصير مدينة بحكاية عائلة. هذا كل ما يمكن الجزم به. لا تفاصيل متاحة لنا عن مناسبة النشر، ولا عن طبيعة الحكاية، ولا عن أي تواريخ أو وقائع محددة، ولذلك لن نُنسب إلى توليدانو ولا إلى غيره قولاً لم يرد.
لكن العنوان، على قلة ما فيه، يحمل ثلاث كلمات تستحق التوقف: «عائلة»، «مدينة»، «ذاكرة». وهي الكلمات نفسها التي تقوم عليها صورة طنجة في المخيال المغربي والعالمي: مدينة مضيق، ومفترق ثقافات، ومكان يمرّ به الناس ويترك بعضهم فيه جذوراً.
طنجة التي تُروى بصيغة المفرد
المدن الكبرى تُكتب عادة بصيغة الجمع: تاريخ، وأحياء، وتحولات اقتصادية. أما حين تُروى بعين فرد وعائلة، فيتغير الميزان. تصبح الأزقة بيوتاً لها أسماء، وتصبح التواريخ الرسمية خلفية باهتة لتفاصيل صغيرة: رائحة مطبخ، وبابٌ يُغلق، وجارٌ يرحل.
هذا النوع من السرد له قوة لا تملكها الأرقام. فهو يقول للقارئ إن المدينة ليست حجارة وموانئ فحسب، وإنها تُصنع أيضاً من أناس عاشوا فيها ثم صاروا جزءاً من حكايتها. وطنجة، بتاريخها المعروف مدينةً مفتوحة على البحر وعلى الآخر، من أكثر المدن المغربية قابلية لهذا النوع من الحكي.
من يملك ذاكرة المدينة؟
هنا يبدأ الإشكال الصحفي الذي لا يجيب عنه العنوان. حين تُروى طنجة من منظور عائلة بعينها، يحق لنا أن نسأل: أي طنجة تُروى، ولمن؟ فالمدينة ليست ذاكرة واحدة. هناك ذاكرة من بقوا، وذاكرة من رحلوا، وذاكرة من جاؤوا حديثاً بحثاً عن عمل في الميناء والمصانع والأحياء الجديدة. وكل ذاكرة تروي مدينة مختلفة قليلاً.
والسؤال المفتوح هنا: هل تتسع الحكاية الفردية لتشمل الآخرين، أم تبقى شهادة جميلة عن زاوية واحدة؟ لا يمكن الحكم من العنوان وحده، وهذا بالضبط ما يجعل الاطلاع على المادة الكاملة ضرورياً قبل أي استنتاج.
الذاكرة والعمران: أين الفجوة؟
حين يُقال إن الذاكرة «لا تغيب»، يبرز سؤال عملي: كيف تتعايش هذه العبارة مع مدينة تتغير بسرعة؟ طنجة اليوم ورشة مفتوحة، وكل ورشة تعني بناية تُهدم أو تُرمَّم أو تُبدَّل وظيفتها. والذاكرة التي تبقى في الكتب والمقالات قد لا تجد لها سنداً في الشارع إن لم تُحمَ الأمكنة التي تحتضنها.
لا يقدّم المعطى المتاح أي معلومة عن مبادرات لحفظ هذا التراث أو توثيقه، ولن نختلق ما لم يُنشر. لكن من حق القارئ الطنجاوي أن يسأل: هل يكفي أن نحكي عن الماضي كي نحفظه؟ وهل تتحول الحكايات الجميلة إلى سياسة فعلية لصون الأمكنة، أم تبقى حنيناً يُستهلك ثم يُنسى؟
ما الذي يتغيّر عند القارئ؟
عملياً، لا شيء يتغير في يوم القارئ المغربي بسبب مقال عن الذاكرة. لا سعر يتبدل ولا قرار يصدر. غير أن هذا النوع من المواد يؤدي وظيفة أبطأ وأعمق: يعيد تشكيل نظرتنا إلى المدينة التي نعيش فيها. فمن يعرف أن زقاقاً ما كان بيتاً لعائلة لها حكاية، يمرّ به بنظرة مختلفة، وربما يدافع عنه إن هُدّد.
وهذا هو الرهان الحقيقي لأي سرد من هذا النوع: أن يخرج من دائرة الحنين إلى دائرة الوعي. أن يتحول القارئ من متلقٍّ مبتسم إلى مواطن يرى مدينته بوصفها أمانة.
أسئلة بلا جواب بعد
يبقى أكثر مما قيل. لا نعرف من خلال المعطى كيف عاشت هذه العائلة في المدينة، ولا ما الذي ترويه عنها، ولا ما الذي تريد المادة أن تقوله بالضبط. وهذه الفراغات ليست عيباً في الفكرة، بل حدّ لما يمكن قوله بأمانة انطلاقاً مما نُشر.
ما يمكن قوله هو أن طنجة تملك، أكثر من غيرها، مخزوناً من الحكايات يستحق أن يُدوَّن قبل أن يتبدد مع رحيل أصحابه. وكل عائلة عاشت فيها تحمل جزءاً من هذا المخزون.
فإذا كانت الذاكرة «لا تغيب» كما يقول العنوان، فمن الذي يتكفل بإبقائها حاضرة حين يغيب الرواة أنفسهم؟







اترك تعليقاً