تقدّمت طنجة على باقي مدن جهتها في عدد المقاولات المُحدَثة خلال 2026، بحسب ما نشره موقع «إيكوبريس» تحت عنوان يضع المدينة في صدارة الترتيب. خبر قصير في ظاهره، لكنه يفتح سؤالاً أكبر من الترتيب نفسه: هل نحن أمام دينامية اقتصادية حقيقية تخلق الثروة والوظائف، أم أمام رقم يعكس سهولة التأسيس أكثر مما يعكس قوة البقاء؟
ما الذي قيل بالضبط؟
المعطى المتاح يقتصر على الخلاصة: طنجة أولى بين مدن الجهة من حيث إحداث المقاولات في 2026. لا يرد في المقتطف عدد الشركات المؤسَّسة، ولا نسبة النمو مقارنة بالسنة السابقة، ولا الفارق الذي يفصلها عن أقرب منافسيها. نحن إذن أمام عنوان واضح وتفاصيل غائبة، ولذلك سنتحرك بحذر في ما يمكن قوله وما لا يمكن.
ما نعرفه يقيناً أن الخبر يندرج ضمن أخبار المدينة، وأن الصدارة هنا نسبية: هي صدارة داخل جهة بعينها، لا على الصعيد الوطني. وهذا فرق لا يصح القفز فوقه.
طنجة ليست غريبة عن هذا الموقع
لا يفاجئ هذا الترتيب من يتابع المدينة. فطنجة معروفة، بما هو متداول عموماً، بموقعها المطل على المضيق، وبميناها الكبير، وبمناطقها الصناعية التي جعلتها وجهة مألوفة للمستثمرين. من الطبيعي أن تنعكس هذه السمعة في سجلات التأسيس.
لكن الطبيعي لا يعني الكافي. فالمقاولة التي تُحدَث اليوم قد تكون مصنعاً صغيراً، وقد تكون مكتب خدمات من شخص واحد، وقد تكون واجهة قانونية لنشاط لا يتجاوز عامه الأول. والخبر، في صيغته المتاحة، لا يميّز بين هذه الأنواع.
أين الخلل المحتمل؟
الإشكال الصحفي هنا ليس في الرقم، بل في ما يسكت عنه الرقم.
أولاً، إحداث مقاولة لا يساوي بقاءها. كثير من الشركات الصغيرة تُؤسَّس بحماس ثم تتعثر في سنواتها الأولى، والخبر لا يقول شيئاً عن نسبة الصمود.
ثانياً، لا نعرف القطاعات. هل الزخم في الصناعة والخدمات اللوجستية، أم في التجارة والخدمات الخفيفة؟ الجواب يغيّر قراءة الخبر كلياً، لأن الأولى تخلق مناصب شغل مستقرة، والثانية قد تكتفي بخلق صاحب مشروع يشغّل نفسه.
ثالثاً، لا نعرف أثر الإحداث على التشغيل. فصدارة في عدد الشركات لا تعني تلقائياً صدارة في عدد الوظائف.
من يربح فعلاً؟
يمكن أن يربح الجميع إذا كان الزخم حقيقياً: الشاب الذي يجد فرصة عمل، والمقاول الصغير الذي يجد زبائن، والمدينة التي تتسع قاعدتها الضريبية. لكن هذا افتراض لا يؤكده المعطى.
وما يستحق السؤال أيضاً: هل تستفيد المقاولات الصغيرة من هذه الدينامية، أم تذهب ثمارها إلى الفاعلين الكبار الذين يملكون أصلاً شبكات الصفقات والتمويل؟ الخبر لا يجيب، وهذا السؤال هو ما يهم القارئ الطنجاوي الذي يفكر في فتح مشروعه الخاص.
ما الذي يتغير عند المواطن؟
على المدى القريب، قد لا يتغير الكثير. الصدارة في عدد الإحداثات لا تُترجم فوراً إلى تحسن في الأجور أو انخفاض في البطالة. أما على المدى المتوسط، فالأمر مرهون بنوع هذه المقاولات وقدرتها على الاستمرار والتوظيف.
وهناك وجه آخر لا يُذكر كثيراً: كل دينامية اقتصادية تضغط على المدينة نفسها، من سكن ونقل وخدمات. المدينة التي تجذب المقاولات تجذب معها الأيدي العاملة، وهذه تحتاج إلى مساكن وطرق ومدارس. فهل تسير البنية الحضرية بالإيقاع ذاته الذي يسير به التأسيس؟
ما ينبغي انتظاره
الخبر في صيغته الحالية بداية نقاش لا نهايته. المطلوب أرقام أدق: عدد المقاولات المُحدَثة، وتوزيعها القطاعي، ونسبة المتعثرة منها، وعدد الوظائف المرتبطة بها. بدون ذلك يبقى الترتيب عنواناً جذاباً يصلح للتهنئة أكثر مما يصلح للتخطيط.
وإلى أن تُنشر تلك التفاصيل، يبقى لدينا مدينة تتقدم في سجل التأسيس. أما هل تتقدم في سجل الأجور وفرص الشغل الدائمة، فذلك ما لم يقله الخبر.
فإذا كانت طنجة تتصدر في ولادة الشركات، فمن سيحصي كم منها سيبلغ عامه الثالث؟







اترك تعليقاً