لم يحسم الملعب هذه المرة كل شيء. منتخب عمان بلغ نصف نهائي «خليجي 27» على حساب العراق، لكن بطاقة العبور جاءت من القرعة لا من صافرة الحكم. هذا ما أوردته وكالة أنباء الإمارات (وام) في خبرها، وهو عنوان كافٍ ليقلب النقاش من «من كان أفضل؟» إلى «كيف وصلت المنافسة إلى هذه النقطة؟».
الخبر، بحسب ما نُشر، قصير في معطياته: عمان تتأهل، العراق يودّع، والفاصل بينهما سحب قرعة. لا تفاصيل عن النتائج التي سبقت اللحظة، ولا عن المعايير التي استُنفدت قبل اللجوء إلى الحظ. ومن هنا يبدأ السؤال.
ماذا تعني القرعة في كرة القدم؟
القرعة ليست بدعة. هي آخر حلقة في سلسلة طويلة من معايير الفصل بين المنتخبات المتعادلة، وتُستعمل حين تتساوى الفرق في كل شيء آخر. وتُطبَّق عادةً بعد استنفاد المعايير الرياضية المنصوص عليها في لائحة كل بطولة، من فارق الأهداف إلى المواجهة المباشرة وغيرهما، وتختلف الترتيبات من بطولة إلى أخرى.
وهي نادرة إلى درجة أنها تتحول إلى حكاية. يتذكر عشاق اللعبة أن كأس العالم 1990 عرفت واقعة شهيرة من هذا النوع، حين احتُكم إلى القرعة للفصل بين أيرلندا وهولندا في ترتيب مجموعتهما. كانت الواقعة استثناءً غريباً، ولم تكن يوماً قاعدة مريحة.
لذلك فإن وصول «خليجي 27» إلى هذه المرحلة يعني أن المنتخبين لم يفترقا بأي معيار رياضي متاح. لا الحصيلة فصلت بينهما، ولا القواعد التي وُضعت لتجنب الحظ. هذا، في حد ذاته، معطى لا يقبل التجاهل.
عمان تفرح والعراق يتساءل
من زاوية المنتخب العماني، الحكاية بسيطة: وصل إلى المربع الذهبي، والتاريخ سيسجل الوصول لا الطريق. الجماهير تحتفل، واللاعبون يمضون إلى الدور التالي بمعنويات مرتفعة، ومن يدخل نصف النهائي لا يُسأل في العادة كيف دخله.
أما من الجهة العراقية فالصورة أقسى. أن تخرج من بطولة دون أن تخسر المعيار الرياضي الأخير شعور مختلف عن الخروج بهزيمة واضحة. الخسارة في الملعب يمكن تفسيرها بالتكتيك والإرهاق وضياع الفرص. أما الخسارة بالقرعة فلا تترك شيئاً يُحلَّل سوى الحظ، والحظ لا يمنح دروساً.
ونقول بوضوح: لا يوجد في المعطى ما يفيد بأي اعتراض أو ردود فعل رسمية من الجانبين. أي حديث عن غضب أو احتجاج سيكون اختلاقاً. ما لدينا هو نتيجة معلنة وقاعدة طُبّقت.
أين الخلل؟
الجواب الأدق: لا خلل بالضرورة. القرعة إجراء تنظيمي معروف، وإن كانت اللائحة تنص عليها فتطبيقها مشروع. لكن المشروعية لا تُسكت السؤال عن جودة القاعدة نفسها.
هناك سؤالان مفتوحان لم يجب عنهما الخبر:
– هل كانت لائحة البطولة تتيح معايير إضافية، كمباراة فاصلة أو ركلات ترجيح، قبل اللجوء إلى الصدفة؟ – وإن كانت القرعة هي المنصوص عليه، فهل كان المنتخبان يعلمان بها منذ البداية كخيار أخير محتمل؟
هذان السؤالان ليسا اتهاماً لأحد. هما ما يطرحه أي متابع يرى منتخباً يخرج من بطولة دون أن يخسر فيها مباراة فاصلة.
من يربح؟
عمان تربح بطاقة واضحة، ولا نقاش في ذلك. لكنها تربح أيضاً عبئاً رمزياً: ستُقدَّم في نصف النهائي كمنتخب «حالفه الحظ»، وسيتعين عليه أن يثبت داخل الملعب أن العبور لم يكن هبة صدفة.
والبطولة كذلك تربح جدلاً يبقي اسمها متداولاً بعد نهاية الجولة. وقد تخسر في المقابل شيئاً من صورة الحسم الرياضي الذي يفترض أن يقرره اللاعبون لا الكرة الورقية المسحوبة من وعاء.
أما القارئ المغربي، الذي لا يملك منتخبه ناقة ولا جملاً في هذه البطولة، فلماذا يهمه الأمر؟ لأن أسئلة العدالة الرياضية لا تعرف حدوداً. كل جمهور عربي يتابع بطولة إقليمية يتساءل بصمت: هل تُبنى لوائحنا لتحمي الجدارة أم لتُنهي الجدل بأقل كلفة؟ وفي ذاكرة المتابع المغربي ما يكفي من نتائج حُسمت بتفاصيل صغيرة ليتفهم هذا الشعور.
ما الذي ينتظر عمان الآن؟
المنتخب العماني أمام اختبار مختلف تماماً. الدور المقبل لا مكان فيه لقرعة تنقذ، فإما فوز أو خسارة أو ركلات ترجيح، وهنا يُمتحن صدق العبور. من دخل بالحظ عليه أن يخرج بالجهد، وإلا صارت الحكاية كلها ملحقاً هامشياً في تاريخ البطولة.
ولا نعرف من الخبر شيئاً عن خصمه المقبل ولا عن موعد المباراة، وسنكتفي بما نُشر. لكن المؤكد أن أنظار المتابعين ستتجه إلى الملعب بحثاً عن جواب واحد: هل كان العبور استحقاقاً تأخر إعلانه أم مجرد ورقة سُحبت في الوقت المناسب؟
ويبقى السؤال الأكثر إزعاجاً: إذا كان منتخبان يلعبان أياماً ولا يفصل بينهما شيء، فهل نحتاج إلى قاعدة أفضل، أم إلى شجاعة أكبر في الاعتراف بأن كرة القدم، أحياناً، تنتهي بورقة تُسحب من وعاء؟







اترك تعليقاً