غارات على صنعاء وتقدم في تعز: من يملك الحسم في حرب بلا حاسم؟

غارات على صنعاء وتقدم في تعز: من يملك الحسم في حرب بلا حاسم؟

تتحرك الجبهات اليمنية في وقت واحد. بحسب ما نُشر، تتزامن مواجهات ميدانية تمتد من مأرب والجوف إلى تعز ولحج، فيما تطال غارات جوية صنعاء وصعدة. القوات الحكومية، وفق عنوان الخبر، تقصف العاصمة وتتقدم في تعز. وفي الخلفية تتفاقم أزمة النزوح، ويتسع حجم المعاناة الإنسانية.

السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام بداية حسم عسكري، أم أمام جولة أخرى من حرب تدور منذ سنوات حول نفسها؟

خريطة نار من الشرق إلى الجنوب

أول ما يلفت في المعطى هو اتساع الرقعة. مأرب والجوف في الشرق والشمال، وتعز ولحج في الجنوب والوسط، ثم صنعاء وصعدة في عمق الشمال. هذه ليست معركة على تلة أو معبر، بل ضغط موزّع على عدة محاور في الوقت نفسه.

وهنا يلتقي الميدان بالجو. الغارات على صنعاء وصعدة تضرب مواقع بعيدة عن خطوط التماس، بينما يجري على الأرض ما يوصف بالتقدم في تعز و«ضغط ميداني» في جبهات أخرى. الجمع بين الأمرين يوحي بمحاولة لتشتيت الخصم وإرباكه، لكن الخبر لا يقول إن هذا هو الهدف المعلن، ولا يحدد من يقف خلف كل غارة.

تعز تحديداً تستحق وقفة. المحافظة معروفة بكثافتها السكانية وبتعقيد جغرافيتها، وأي تقدم فيها يُقاس بما يتغير على الأرض لا بما يُعلن في البيانات. والمقتطف المتاح لا يذكر مساحات ولا أسماء مواقع ولا حصيلة خسائر، وهذا فراغ لا ينبغي تجاهله.

ما لا يظهر في سطر الخبر

يختم المقتطف بجملة قصيرة قياساً بثقلها: أزمة النزوح والمعاناة الإنسانية تتفاقم. لا أرقام هنا، ولن نخترعها. لكن المنطق وحده يكفي: حين تتحرك الجبهات تتحرك العائلات معها. من يعيش قرب خط تماس في لحج أو الجوف لا ينتظر نتيجة المعركة، بل يحمل ما استطاع ويمضي.

وفي كل تغطية للحرب اليمنية تقريباً، يأتي الميدان أولاً والإنسان ثانياً. المقتطف نفسه يسير على هذا الترتيب، فتُسرد المحاور العسكرية بتفصيل ويُختزل النازحون في نصف جملة.

أين الفجوة بين العنوان والواقع؟

عنوان الخبر يتحدث عن قصف وتقدم، وهي لغة توحي بمبادرة وزخم. لكن المعطى يتحدث في المقابل عن «ضغط ميداني»، وهي عبارة أضعف من «السيطرة». بين الكلمتين مسافة كبيرة: الضغط لا يعني بالضرورة حسماً، والتقدم في محور لا يعني تغيير موازين القوة.

كيف يتفق الحديث عن تقدم حكومي مع استمرار صراع يمتد على هذا العدد من المحافظات في آن واحد؟ ثم من يملك فعلاً القدرة على تحويل التقدم إلى مكسب دائم؟ الخبر لا يجيب، ولا يقدم ما يسمح للقارئ بالحكم.

من يربح؟

لا يمكن الجزم من المعطى بالمنتصر، وهذا بحد ذاته معلومة. أما الخاسر فواضح: المدني الذي تحاصره الغارات من فوق والمواجهات من حوله. كل جبهة جديدة تعني طريق نزوح جديداً وخدمات أقل وقدرة أضعف على الاحتمال.

وماذا عن القارئ المغربي؟

قد تبدو اليمن بعيدة عن الدار البيضاء ومراكش، لكن الأمر ليس غريباً تماماً. المغرب يتابع أزمات المنطقة العربية بحكم الانتماء واللغة والتضامن الإنساني، وكل تصعيد جديد يعيد إلى الواجهة سؤال المساعدات والوساطات وحدود ما تستطيع الدبلوماسية فعله. ولا يتضمن الخبر أي إشارة إلى موقف مغربي، ولن ننسب إلى الرباط ما لم يرد.

ما يمكن قوله بيقين أقل ادعاءً: حين تتسع الحرب في بلد عربي يزداد عدد من يحتاجون إلى الغذاء والدواء والمأوى، ويزداد معه الضغط على أي جهد إنساني، أياً كان مصدره.

سؤال ينتظر جواباً

يتقدم الجيش في تعز، وتهتز صنعاء تحت الغارات، وتشتعل مأرب والجوف ولحج. وفي الأثناء، تتسع مخيمات النزوح بصمت لا تلتقطه البيانات العسكرية.

فإذا كانت كل هذه الجبهات تتحرك دون أن يلوح حسم، فمن الذي يحصي في النهاية ما تخسره اليمن كل يوم؟

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية