مصنع أحذية في طنجة والجيش الإسباني: ما الذي لم يُقَل بعد؟

مصنع أحذية في طنجة والجيش الإسباني: ما الذي لم يُقَل بعد؟

مصنع أحذية في طنجة وجد نفسه فجأة في قلب رواية تربطه بالجيش الإسباني. جريدة «الأخبار المغربية» نشرت تحقيقاً تقول فيه إنها فنّدت هذه المزاعم، وكشفت ما وصفته بخلفيات حملة تضليل تستهدف الاقتصاد الوطني. العنوان واضح، لكن السؤال الذي يطرحه القارئ أوضح: من أطلق الرواية، ولماذا اختار مصنع أحذية بالذات؟

ما الذي نُشر فعلاً؟

بحسب ما نُشر في موقع «الأخبار المغربية»، يتناول التحقيق ادعاءً مفاده أن مصنعاً للأحذية في طنجة مرتبط بالجيش الإسباني. الجريدة تقول إن الادعاء لا يصمد أمام التدقيق، وإنه جزء من حملة أوسع هدفها الإضرار بصورة الاقتصاد المغربي.

هذه هي الخلاصة التي يتيحها المعطى المتوفر. أما تفاصيل المصنع واسمه وحجم نشاطه وطبيعة زبنائه، وكذلك الجهة التي روّجت الادعاء والمنصات التي نشرته، فلا يرد منها شيء في الملخص المتاح لنا. لذلك نتوقف عند حدود ما قيل، ولا نملأ الفراغ بتخمينات.

وهذه الحدود نفسها تفتح باباً للأسئلة.

لماذا الأحذية؟

قطاع النسيج والجلد من الأنشطة الصناعية المعروفة في طنجة، وهو جزء من النسيج الصناعي الذي بُنيت عليه سمعة المدينة منذ سنوات. وحين يُستهدف مصنع في هذا القطاع بادعاء من هذا النوع، يصعب أن يكون الأمر شأناً يخص مصنعاً واحداً.

الربط بجيش أجنبي ليس تهمة عادية. هو يوحي بأن الأمر يتجاوز التجارة إلى مجال حساس، ويستدعي لدى القارئ مباشرة أسئلة السيادة والولاء والأمن. وهذا بالضبط ما يجعل الادعاء سريع الانتشار وصعب الاحتواء، حتى لو كان ضعيف الأساس.

الرواية قصيرة ومثيرة ولا تحتاج إلى وثائق كي تنتقل. أما التفنيد فيحتاج إلى تحقيق وأرقام ومراجعة، وهو بطبيعته أبطأ وأقل جاذبية. هذه هي المعادلة التي تعمل عليها حملات التضليل في كل مكان.

أين الخلل؟

أول ما يستوقف في الملف أن التفنيد جاء من جريدة، لا من مؤسسة رسمية ولا من وثيقة منشورة. لا نعرف من الملخص المتاح هل استندت الجريدة إلى سجلات تجارية أو تصريحات أو معاينة ميدانية. وهذا تفصيل يحدد وزن التحقيق: التفنيد القوي يعرض أدلته أمام القارئ، ولا يكتفي بأن يطلب منه الثقة.

والسؤال الثاني يخص «الحملة». حين تتحدث جريدة عن حملة تضليل منظمة، فهي تُثبت أمرين لا أمراً واحداً: أن الادعاء كاذب، وأن وراءه جهة تنسّق وتقصد. الأول يمكن إثباته بالوثائق. الثاني يحتاج إلى مسار نشر واضح، من أين بدأ الخبر ومن تلقفه ومن ضخّمه. وما بلغنا لا يكشف إن كان التحقيق قد أجاب عن هذا الشق بالتفصيل.

وهنا تكمن المفارقة. يُراد من تحقيق يفند الأكاذيب أن يكون هو نفسه مضاداً للغموض، فإذا ظل الشق الثاني بلا دليل، تحول الاتهام بالتضليل إلى ادعاء مقابل لا يختلف في شكله عن الادعاء الأول.

من يربح؟

لا يمكن الجزم بالمستفيد من دون معرفة مصدر الرواية. لكن يمكن طرح السؤال بصيغته الصحيحة: من يستفيد من أن يبدو الاقتصاد المغربي، ومدينة صناعية مثل طنجة تحديداً، موضع شبهة؟

الاستثمار يعتمد على الثقة. مصنع واحد يُشكّك في هويته أو في ارتباطاته قد يخسر زبناء، وقد يتردد مورّدون، وقد يتساءل عمال عن مستقبل مناصب عملهم. وإذا اتسعت الدائرة، قد تتأثر صورة منطقة كاملة لدى مستثمر يقرأ العناوين قبل أن يقرأ الملفات.

بعبارة أخرى، الضرر قد يقع قبل أي تحقق من الادعاء، وهذه هي قوة الإشاعة الاقتصادية.

ما الذي يعنيه هذا للقارئ المغربي؟

للقارئ العادي حصة في هذه القصة، وإن بدت بعيدة عنه. ففي مدينة مثل طنجة، ترتبط مصانع كثيرة بمعيشة آلاف الأسر. وأي رواية تستهدف مصنعاً تمسّ مباشرة سلسلة من الأجور والعقود والأنشطة التجارية المحيطة.

وهناك ما هو أبسط: كيف يتعامل القارئ مع خبر من هذا النوع حين يصله على هاتفه؟ أن يتوقف قبل أن يعيد نشره. أن يسأل عن المصدر الأول، وعن الوثيقة، وعن الجهة التي يمكنها أن تؤكد أو تنفي. هذه ثلاثة أسئلة قصيرة، لكنها كافية لإبطاء أي حملة تعتمد على السرعة.

ما الذي ينتظره الملف؟

يبقى للملف استحقاقان. الأول أن تُنشر أدلة التفنيد كاملة، وأن يعرف القارئ على ماذا بُني الحكم بسقوط الادعاء. والثاني أن تتضح هوية الجهة أو الجهات التي تقف خلف الحملة، إن وُجدت، بالدليل لا بالاستنتاج.

وقبل ذلك، تبقى للمصنع المعني كلمته. فالمعطى المتاح لا يذكر أي رد منه، ولا نريد أن ننسب إليه موقفاً لم يُعلنه.

إذا كان الادعاء كاذباً حقاً، فمن دفع ثمن ترويجه حتى الآن؟ وإذا كان وراءه من يقصد الإضرار، فهل يكفي تحقيق صحفي واحد لإسقاط رواية كلفتها نقرة واحدة على شاشة؟

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية