مليارات تتدفق على الذكاء الاصطناعي: من يضمن ألا تتحول إلى فقاعة؟

مليارات تتدفق على الذكاء الاصطناعي: من يضمن ألا تتحول إلى فقاعة؟

عنوان الخبر الذي نشره موقع Vietnam.vn واضح في ما يقوله: الزيادة الكبيرة في الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تجلب معها مخاطر جديدة. المعطى المتاح لا يتجاوز هذا العنوان، ولا يسمّي شركات أو أرقاماً أو بلداناً بعينها. وهنا بالضبط يبدأ السؤال: إذا كانت الأموال تتدفق بهذا الحجم، فمن يتحمل الكلفة إن أخطأت الحسابات؟

ما الذي قيل فعلاً؟

الفكرة المركزية بسيطة. الإنفاق على الذكاء الاصطناعي لم يعد استثماراً عادياً في قطاع ناشئ، بل صار سباقاً تتسارع وتيرته، ومع كل قفزة في حجم التمويل تظهر أخطار لم تكن مطروحة حين كان القطاع أصغر وأقل تشابكاً مع بقية الاقتصاد.

لم يحدد المقتطف طبيعة هذه المخاطر. هل هي مالية، أي تقييمات متضخمة وأرباح لا تواكب الإنفاق؟ أم تقنية، أي اعتماد مفرط على بنية تحتية محدودة؟ أم اجتماعية تتعلق بالوظائف؟ لا جواب في ما نُشر، ولن نخترع واحداً ونسبه إلى الموقع.

ما نعرفه يقيناً من خلفية القطاع أن تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى مراكز بيانات ضخمة ورقائق متخصصة وطاقة كهربائية كثيرة. هذه كلها بنود إنفاق ثقيلة، ومن يدخل السباق يلتزم بها قبل أن يعرف إن كانت العائدات ستأتي.

أين الخلل المحتمل؟

حين يتدفق المال بسرعة نحو قطاع واحد، يميل الجميع إلى الخوف من التخلف أكثر من الخوف من الخسارة. هذا منطق معروف في تاريخ الأسواق، ولا يحتاج إلى مصدر ليُقال. الشركة التي تتوقف عن الإنفاق تبدو متأخرة، والتي تواصل قد تنفق على ما لا يعود عليها بشيء.

الفجوة إذن بين المعلن والواقع. المعلن وعد بإنتاجية هائلة وتحولات شاملة. الواقع أن الاستثمار يُحسب اليوم بالمليارات، بينما الأرباح تُحسب بالتوقعات. وحين تتسع هذه الفجوة، يصبح كل تعثر صغير مصدر قلق كبير.

سؤال آخر لم يجب عنه الخبر: هل المخاطر محصورة في المستثمرين أنفسهم، أم تمتد إلى من لا يملكون أسهماً ولا رقائق؟ فإذا ارتبطت الأسواق والصناديق والاقتصادات بقطاع واحد، فإن اهتزازه لا يبقى شأناً خاصاً بأصحابه.

من يربح ومن يدفع؟

الرابحون الواضحون في أي سباق من هذا النوع هم من يبيعون الأدوات: مصنّعو الرقائق ومشغّلو مراكز البيانات ومزودو الطاقة. هؤلاء يقبضون ثمن السباق سواء فاز المتسابقون أم خسروا. هذا استنتاج منطقي من بنية القطاع، لا معلومة وردت في الخبر.

أما من يدفع إن تعثر السباق، فالأرجح أنهم المستثمرون الأواخر الذين دخلوا حين بلغت الأسعار ذروتها، ثم العاملون في الشركات التي بنت خططها على توقعات متفائلة.

وماذا عن القارئ المغربي؟

قد يبدو الأمر بعيداً، فالأموال المعنية تُضخ في وادي السيليكون وآسيا، لا في الدار البيضاء ولا الرباط. لكن الاقتصاد المغربي مرتبط بالأسواق العالمية عبر التصدير والسياحة وتحويلات المغاربة في الخارج والتمويل الخارجي. أي اضطراب كبير في الأسواق العالمية يصل إلينا بصيغة أو بأخرى.

وهناك بعد ثانٍ أقرب. المغرب يتحدث منذ سنوات عن جذب الاستثمارات التقنية وتشجيع الشركات الناشئة والتحول الرقمي. السؤال هنا: هل نبني خططنا على موجة قد تهدأ، أم على قدرات بشرية ومهارات تبقى حتى لو انخفضت الحرارة؟ الاستثمار في المهندسين والتعليم لا يفقد قيمته إن تراجعت أسعار الأسهم، أما الرهان على صرعة عابرة فقد يفعل.

وللشركات المغربية الصغيرة التي بدأت تشتري خدمات الذكاء الاصطناعي سؤال خاص: ماذا لو ارتفعت أسعار هذه الخدمات أو تغيّرت شروطها بعد أن تصبح معتمدة عليها؟ الاعتماد على أداة واحدة يشبه البناء على أرض مستأجرة.

ما لا يقوله الخبر

يحذّر الخبر من مخاطر، لكنه لا يقول كم حجمها ولا متى قد تظهر ولا من يملك مفاتيح تخفيفها. التحذير بلا تفصيل يظل مفيداً كجرس إنذار، لكنه لا يكفي لاتخاذ قرار. ومن يقرأ العنوان وحده قد يستنتج أن الفقاعة قادمة لا محالة، وهذا ما لا يقوله المعطى.

الصحيح أن الحماسة الكبيرة والمال الكثير لا يضمنان نجاحاً، وأن غياب الضمان هو تعريف المخاطرة بالذات. أما كيف ستتوزع الأرباح والخسائر حين تتضح الصورة، فتلك الحلقة الغائبة في كل ما نُشر.

وإذا كان الجميع يسرع خوفاً من أن يتأخر، فمن الذي يملك الشجاعة ليتوقف ويسأل: إلى أين نركض أصلاً؟

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية