من حذّر من إبستين قبل ثلاثة عقود، ولماذا لم يسمعه أحد؟

من حذّر من إبستين قبل ثلاثة عقود، ولماذا لم يسمعه أحد؟

كشف تحقيق صحفي أن الملياردير البريطاني جيمس غولدسميث حذر، في أواخر الثمانينيات، من الملياردير الأمريكي جيفري إبستين، ووصفه بالمنحرف. التحذير سبق بعقود ظهور الشكاوى ضد إبستين، وهو يطرح سؤالاً مزعجاً: إذا كان الرجل مكشوفاً في دوائر الأثرياء بهذا الوضوح مبكراً، فمن بقي صامتاً ولماذا؟

هذا ما نُشر بحسب التحقيق الصحفي، وهو ما سنلتزم به هنا دون زيادة. فالمعطى المتوفر قصير، وتفاصيله الدقيقة غير واردة: لا نعرف في أي سياق قيلت العبارة، ولا لمن قيلت، ولا ما الذي دفع غولدسميث إلى هذا الحكم القاسي.

ما الذي قيل بالضبط؟

الخلاصة التي أوردها التحقيق بسيطة وثقيلة في آن واحد. رجل أعمال بريطاني ثري حذّر في أواخر الثمانينيات من رجل أعمال أمريكي، ووصفه بالمنحرف. لا أكثر من ذلك في المعطى المتاح.

لكن التوقيت وحده يكفي ليجعل الخبر لافتاً. فالشكاوى ضد إبستين ظهرت بعد ذلك بعقود، أي أن وصفاً حاداً كهذا خرج إلى العلن، أو على الأقل إلى دائرة محدودة، حين كان الرجل لا يزال بعيداً عن أي مساءلة علنية.

ويضيف التحقيق عنصراً آخر: غموضاً يحيط بصلة إبستين بجزيرة للأثرياء. هنا يتوقف المعطى عند حدود الإشارة. لا اسم للجزيرة في ما بين أيدينا، ولا تفاصيل عن طبيعة الصلة، ولا ما يؤكد أو ينفي أي شيء بشأنها. وهذا الغموض بالذات هو ما يجعل العنوان الأصلي للخبر يتحدث عن «غموض قديم».

أين الثغرة؟

لنفصل بين ما نعرفه وما لا نعرفه.

نعرف أن تحذيراً صدر في أواخر الثمانينيات، بحسب التحقيق. ونعرف أنه جاء من شخصية ثرية معروفة. ونعرف أن الشكاوى ظهرت لاحقاً بعد سنوات طويلة.

لا نعرف على ماذا استند غولدسميث في وصفه. هل كانت لديه معلومة محددة، أم انطباع شخصي، أم سمعة تتداولها مجالس الأثرياء؟ الفرق بين الاحتمالات الثلاثة هائل. الأول يعني معرفة كان يمكن البناء عليها، والثاني رأياً لا يصلح دليلاً، والثالث يعني أن الأمر كان سراً مفتوحاً.

ولا نعرف كذلك إن كان التحذير قد وصل إلى جهة تملك سلطة التحقق. وهنا مربط الفرس: كيف يتفق وجود تحذير مبكر بهذا الوضوح مع بقاء إبستين سنوات طويلة في قلب الأوساط الثرية؟ التحقيق، في ما نُشر منه، لا يقدم جواباً، ونحن لا نملك أن نخترعه.

جزيرة بلا اسم في الخبر

الجزيرة هي الجزء الأكثر إثارة وأقله وضوحاً في الخبر. عبارة «جزيرة للأثرياء» تفتح الخيال بسرعة، وهذا بالضبط ما يستوجب الحذر. فالصلة التي يتحدث عنها التحقيق موصوفة بالغموض، والغموض ليس إدانة ولا تبرئة. هو فقط فراغ في المعلومة.

والمهنة الصحفية تقتضي أن نترك هذا الفراغ فارغاً، لا أن نملأه بما يشتهيه القارئ. كل ما يمكن قوله إن التحقيق يشير إلى صلة غير واضحة المعالم، وإن توضيحها يحتاج إلى وثائق وشهادات لم ترد في المعطى.

من يهمه هذا التحذير القديم؟

قد يبدو الملف بعيداً عن القارئ المغربي: ملياردير بريطاني، وآخر أمريكي، وجزيرة لا نعرف عنها شيئاً. لكن الدرس أقرب مما يبدو.

القضية تذكّر بأن النفوذ المالي يصنع حول أصحابه جداراً من التحفظ. قد يعرف الناس في دائرة ضيقة أن شخصاً ما مثير للريبة، ومع ذلك لا يتحول ما يعرفونه إلى فعل. الكلام يبقى همساً، والهمس لا يوقف أحداً.

وهذا ينطبق على كل مجتمع، لا على الأثرياء الغربيين وحدهم. حين تتحول السمعة السيئة إلى معلومة متداولة بلا مسؤولية، يصبح التحذير مجرد حكاية تُروى بعد فوات الأوان.

سؤال التوقيت

تحذير الثمانينيات يقلب زاوية النظر المعتادة. اعتدنا أن نسأل: متى عرفنا؟ والأجدر أن نسأل: متى كان ممكناً أن نعرف، ومن اختار ألا يسمع؟

لا نملك في المعطى ما يسمح بتحميل أي جهة مسؤولية محددة. لكن مجرد وجود تحذير مسجل قبل عقود يجعل رواية «لم نكن نعلم» أقل إقناعاً مما كانت تبدو.

ويبقى أن نذكّر بحدود ما نُشر: وصف قاله شخص عن آخر، وغموض يحيط بجزيرة، وتحقيق صحفي ينتظر من يكمله بالوثائق.

فإذا كان رجل ثري قد قال ما قاله منذ أواخر الثمانينيات، فمن الذي كان يملك أن يصغي، واختار أن الصمت أرخص من السؤال؟

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية