تقول المؤرخة الأمريكية عسل راد إن الإعلام الأمريكي لم يكتفِ بنقل حرب غزة، بل ردّد الرواية الإسرائيلية وتجنّب في عناوينه تسمية إسرائيل فاعلاً. وبحسب ما نُشر على موقع الجزيرة نت، ترى راد أن هذه الصياغة أضفت شرعية على ما ارتكبته إسرائيل من جرائم، وعلى استهداف الصحفيين الفلسطينيين أنفسهم. فهل يمكن لعنوان من بضع كلمات أن يصنع غطاءً سياسياً لحرب كاملة؟
ما الذي تقوله راد بالضبط؟
حجتها في جوهرها بسيطة. حين تُصاغ الأخبار بحيث يموت الناس دون قاتل، ويسقط القصف دون من يُسقطه، يتحول الفعل العسكري إلى ما يشبه الكارثة الطبيعية. القارئ يرى النتيجة ولا يرى المسؤول.
وتذهب المؤرخة إلى أبعد من ذلك. فهي تعتبر أن هذا النهج لم يقف عند حدود اللغة، بل منح الرواية الإسرائيلية موقع المرجع الأول، فصار ما يقوله الجيش الإسرائيلي نقطة الانطلاق، وما يقوله الفلسطينيون ادعاءً يحتاج إلى تدقيق. ويصل هذا الميزان المختل، في قراءتها، إلى حد تبرير استهداف الصحفيين الذين ينقلون الصورة من الميدان.
وتستخدم راد في توصيف ما جرى لغة قاسية، إذ تتحدث عن إعلام «وافق» على الإبادة. وهذا حكم ثقيل، وهو رأيها كما ورد في الخبر، ولا يتحول إلى حقيقة مسلّمة لمجرد أن مؤرخة تقوله. لكنه رأي يستحق أن يُناقش لا أن يُدفن.
أين تكمن قوة العنوان؟
العنوان هو ما يقرؤه أغلب الناس. كثيرون لا يتجاوزونه إلى المتن، وهو ما يبقى في الذاكرة ويُتداول على المنصات. لذلك فإن اختيار الفاعل والمفعول فيه ليس تفصيلاً تحريرياً بريئاً.
تخيّل عنواناً يقول إن «عشرات الأشخاص لقوا حتفهم في غزة». ثم قارنه بعنوان يحدد من نفّذ الهجوم. الفرق بين الصيغتين ليس لغوياً فقط، بل هو فرق في توزيع المسؤولية داخل ذهن القارئ. وهذا بالضبط ما تشير إليه راد حين تنتقد تجنّب تسمية إسرائيل.
الصحفي حين يصبح هدفاً
النقطة الأكثر حساسية في كلام راد هي الربط بين لغة التغطية واستهداف الصحفيين. المنطق هنا أن الإعلام الذي يتساهل في تسمية الفاعل، يخفف من وقع الجريمة عندما يكون ضحاياها زملاءه في المهنة. ما لا يقوله الخبر هو كيف تقيس راد هذا الأثر، وهل تستند إلى دراسة لعناوين بعينها أم إلى انطباع عام عن التغطية. هذا سؤال مفتوح، والمقتطف المتاح لا يجيب عنه.
هل الصورة بهذه البساطة؟
هنا يجب الحذر. حديث راد عن «الإعلام الأمريكي» يوحي بكتلة واحدة منسجمة، بينما هذا الإعلام مؤسسات متعددة بخطوط تحريرية متفاوتة. والخبر المتاح لا يحدد أي المؤسسات تقصد، ولا أي العناوين تستشهد بها. فهل تنطبق الملاحظة على الجميع بالدرجة نفسها؟ أم أنها قراءة لاتجاه غالب لا لقاعدة مطلقة؟
والسؤال المقابل لا يقل إلحاحاً: إن كان الإعلام الأمريكي قد قصّر فعلاً، فلماذا؟ هل هو ضغط سياسي، أم اعتماد مهني على مصادر رسمية إسرائيلية لسهولة الوصول إليها، أم قناعة أيديولوجية؟ لكل تفسير نتائج مختلفة في الإصلاح، والخبر لا يفصل بينها.
ما علاقة القارئ المغربي بكل هذا؟
أكثر مما نظن. فجزء معتبر مما يصلنا من أخبار العالم يمر عبر وكالات ومنصات غربية، تُترجم عناوينها وتُعاد صياغتها ثم تُنشر عندنا. وحين تنتقل الصياغة المبهمة من لغة إلى أخرى، تنتقل معها زاوية النظر دون أن ننتبه.
وهذا يطرح على غرف الأخبار العربية، ومنها المغربية، سؤالاً مباشراً: هل نعيد نشر العنوان كما جاء، أم نسأل من الفاعل قبل أن نضغط زر النشر؟ والقارئ بدوره مدعو إلى قراءة العناوين بعين ناقدة: من فعل؟ ومن وقع عليه الفعل؟ وهل ذُكر الطرفان؟
من المستفيد من الغموض؟
الغموض في التسمية يخدم دائماً الطرف الأقوى. فإذا غاب الفاعل من الجملة، غابت المحاسبة من النقاش. ومن يتحكم في الصياغة يتحكم، إلى حد بعيد، في الأسئلة التي سيطرحها الجمهور لاحقاً.
وفي المقابل، لا تعفي ملاحظة راد الإعلام العربي من مراجعة نفسه. فالتسمية الدقيقة تقتضي أيضاً التحقق والتوثيق، لا الاكتفاء بالشعارات. والمصداقية تُبنى بالدقة قبل الانفعال.
تبقى أطروحة راد اتهاماً كبيراً يحتاج إلى أدلة تفصيلية تعرض العناوين والأرقام والمقارنات. لكنها تضع الإصبع على موضع حقيقي: الكلمات ليست محايدة حين تكون الأرواح هي المعنية.
فإذا كانت الجملة قادرة على إخفاء القاتل، فمن يكتب العناوين التي سيقرؤها التاريخ بعدنا؟







اترك تعليقاً