هل تستحق البرامج الانتخابية الثقة قبل إظهار الحصاد؟

هل تستحق البرامج الانتخابية الثقة قبل إظهار الحصاد؟

عندما تستيقظ صباحاً وتسمع عن وعود جديدة من أحزاب حكومية، قد تجد نفسك تطرح سؤالاً بسيطاً: أين كانت هذه الأفكار خلال السنوات الماضية؟ هذا الشعور طبيعي تماماً، خاصة عندما يقترب موسم انتخابي جديد ويبدأ الجميع في رسم صور وردية عن المستقبل. المواطن المغربي بحاجة إلى فهم واضح لما تحقق بالفعل قبل أن يصدّق ما هو مقدم أمامه من تعهدات.

في السياق الديمقراطي الصحيح، تحمل عملية الاختيار الانتخابي مسؤولية كبيرة على كاهل الأحزاب السياسية. لا يمكن فصل الحديث عن المستقبل عن تقييم الماضي، لأن السجل الحكومي هو أفضل مؤشر على جدية أي برنامج سياسي. هذا ما دعا الكثيرين إلى التساؤل عن منهجية تقديم البرامج الانتخابية في الحملات القادمة.

البرامج الانتخابية: متى يبدأ النقاش الحقيقي؟

مع اقتراب موعد التصويت في الثالث والعشرين من شتنبر، بادرت الأحزاب المشاركة في الحكومة بعرض رؤاها ومشاريعها على الناخبين. لكن السؤال المشروع الذي يطرحه المراقبون والمواطنون المهتمون هو: هل من الحكيم والمسؤول أن تنطلق هذه العروض مباشرة نحو الوعود الجديدة دون محاسبة واضحة على ما تم إنجازه؟ المقاربة الديمقراطية السليمة تقتضي أن يبدأ الحوار بسؤال أساسي: ماذا حققنا معاً حتى الآن؟

إن غياب هذه المحاسبة الذاتية يخلق فجوة ثقة بين الحكومة والمحكومين. عندما يرى المواطن أن البرنامج الحكومي الجديد لا يعترف بالإخفاقات السابقة أو حتى بالإنجازات المتواضعة، يبدأ في التساؤل عن صدقية كل ما يُقدم أمامه. هذه ليست نقطة ضعف في النظام الديمقراطي بقدر ما هي علامة على عدم احترام تام للعقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم.

من المسؤول عن تقييم الحصيلة؟

الأحزاب الحكومية تحمل المسؤولية الأولى والأخيرة عن عرض حصيلة عملها قبل طلب الثقة من جديد. هذه ليست مجاملة بل هي فريضة ديمقراطية، وبند أساسي في العقد الانتخابي. فالناخب الذي منح ثقته لحزب معين يستحق أن يعرف بوضوح ما الذي تحقق من الأهداف التي وعد بها سابقاً، وما الذي لم يتحقق ولماذا. بدون هذا الشفاف، يصبح الحوار السياسي عبارة عن عرض أحادي لا يعكس حقيقة الواقع.

المؤسسات الإعلامية والمنظمات الحقوقية تلعب دوراً مكملاً في هذه العملية. مهمتها ليست الانتقاد للانتقاد، بل الإصرار على أن تكون الحوارات السياسية مبنية على حقائق ملموسة وبيانات قابلة للتحقق. عندما تختفي هذه الآليات أو تضعف، يفقد النقاش العام كثيراً من قيمته ومصداقيته.

لماذا يهمك هذا الموضوع كمواطن؟

القرار الانتخابي الذي تتخذه في صندوق الاقتراع له تأثير مباشر على حياتك اليومية. إذا اخترت بناءً على وعود جوفاء دون التحقق من الماضي، فقد تكرر نفس الخطأ. لكن إذا اشترطت على كل برنامج حكومي أن يبدأ بحصيلة واضحة ومفصلة، فأنت بذلك تعيد رسم العقد الديمقراطي لصالحك ولصالح الأجيال القادمة. هذا ليس طلباً معقداً، إنه حد أدنى من احترام الذات والمنطق.

الأسر التي تعاني من غلاء الأسعار تريد أن تسمع ما فعلت الحكومة السابقة لمعالجة الأزمة. الشباب الذي يبحث عن فرص عمل يريد بيانات واضحة عن عدد الوظائف التي تم إنشاؤها فعلاً. الطلاب والطالبات يريدون معرفة مستجدات الإصلاح التعليمي الذي وعد به البرنامج السابق. هذه أسئلة ليست براقة، لكنها حقيقية وملحة.

البرامج الحكومية والشفافية: علاقة معقدة

في نظام ديمقراطي صحيح، يجب أن تكون العلاقة بين الحكومة والناخبين مبنية على الشفافية الكاملة. المشكلة أن كثيراً من البرامج الحكومية تركز على الوعود المستقبلية بينما تتجاهل تقييماً جاداً للأداء السابق. وهذا يخلق حلقة معيبة: كل دورة انتخابية تأتي بوعود جديدة تتكرر، وكل حكومة جديدة ترث مشاكل لم تُحل من الدورة السابقة، وهكذا يستمر الحال دون تقدم حقيقي.

الحل ليس معقداً كما قد يبدو. ما يحتاجه المجتمع هو ثقافة سياسية تقيّم الأداء بصرامة وعدل. الأحزاب الحكومية التي تستطيع أن تقول: “أنجزنا هذا، وأخفقنا في ذاك، وسنفعل ما يلي لتصحيح المسار” ستكسب احترام الناخبين أكثر بكثير من تلك التي تقفز مباشرة إلى وعود لم تختبرها التجربة بعد.

ماذا يمكنك أن تفعل كناخب؟

أنت لست متفرجاً سلبياً في هذه العملية. بإمكانك أن تطلب الحسابات الواضحة قبل الاستماع إلى الوعود. اسأل الأحزاب والمرشحين: ماذا حققتم؟ بأي أرقام وبيانات؟ أين أخفقتم؟ كيف ستتجنبون الأخطاء السابقة؟ هذه أسئلة ليست فقط حقك بل هي واجبك تجاه نفسك وتجاه المجتمع.

وسائل التواصل الاجتماعي، المنتديات المحلية، الجلسات العامة للأحزاب، كل هذه منصات يمكنك من خلالها المطالبة بحوار حقيقي. عندما تضغط أنت كناخب على هذه النقطة، تبعث رسالة واضحة: أنت تريد سياسة مسؤولة وجادة، لا تمثيلية انتخابية تكرر نفسها كل أربع سنوات.

الخلاصة: بناء عقد ديمقراطي أقوى

الحياة السياسية السليمة تبني على أساس من الثقة والشفافية والمحاسبة. لا يمكن لأي برنامج حكومي أن ينال التصديق الصادق إذا لم يبدأ برحلة صادقة مع الماضي. الأحزاب التي تحكم اليوم ستكون في المعارضة غداً، والعكس صحيح. والنظام الذي يعترف بهذه الحقيقة ويبني عليها هو النظام الذي سينمو ويتطور.

نحن بحاجة إلى سياسيين يفهمون أن الاحترام والثقة لا يُشترى بالوعود الرنانة، بل يُكتسب بالعمل الجاد والمحاسبة الذاتية الشريفة. وكل ناخب يستطيع أن يكون حارساً لهذا المعيار. ما رأيك أنت؟ هل تشعر أن البرامج الحكومية تحاسب نفسها بصدق قبل أن تطلب الثقة مجدداً؟ شارك رأيك في التعليقات.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية