هل تسير أمريكا على خطى إيطاليا؟ كاتبة ترى أن «الاستثناء» يتآكل

هل تسير أمريكا على خطى إيطاليا؟ كاتبة ترى أن «الاستثناء» يتآكل

قالت الكاتبة رنا فوروهار إن الولايات المتحدة بدأت تفقد السمات التي جعلتها تبدو بلداً «استثنائياً» بين الأمم. حجتها تقوم على ثلاثة مؤشرات: تراجع مكافحة الفساد، وصعود الشعبوية، وتحولات مقلقة في سوق العمل، خاصة بالنسبة للشباب. هذا ما نُشر عن مقالتها، وعنوانه يضع بلداً يُعدّ مرجعاً للحداثة الاقتصادية في مقارنة غير مريحة مع إيطاليا.

والسؤال الذي يفرض نفسه: ماذا يعني أن يفقد بلد «استثناءه»، ومن يدفع ثمن ذلك أولاً؟

ما الذي قالته الكاتبة بالضبط؟

فكرة «الاستثناء الأمريكي» قديمة. تقول إن الولايات المتحدة تختلف عن غيرها: اقتصاد أكثر ديناميكية، ومؤسسات أكثر صلابة، وسياسة يُفترض أنها محصنة من الانزلاقات التي عرفتها دول أخرى. هذه الصورة هي ما يحاول فوروهار، بحسب ما نُشر، أن يزعزعها.

تستند الكاتبة إلى ثلاثة خيوط. الأول يتعلق بمكافحة الفساد، وتراه يتراجع. الثاني هو الشعبوية التي تتقدم في الحياة السياسية. أما الثالث فسوق العمل، حيث ترصد تحولات تثير القلق، ويدفع الشباب كلفتها قبل غيرهم.

عنوان الخبر يختصر المقارنة: أمريكا «على خطى إيطاليا». وهي مقارنة لافتة، لأن إيطاليا ارتبطت في النقاش الأوروبي بالجمود الاقتصادي وبمشاكل الثقة في المؤسسات وبتقلبات سياسية متكررة. أن يُقال إن القوة الاقتصادية الأولى في العالم تقترب من هذا النموذج، فذلك يكفي ليثير الجدل.

لماذا الشباب أولاً؟

من بين المؤشرات الثلاثة، يبدو سوق العمل الأكثر قابلية لأن يلمسه الناس في حياتهم اليومية. فحين يجد الشاب صعوبة في دخول سوق الشغل أو في بناء مسار مهني مستقر، يتغير شيء أعمق من رقم البطالة: تتغير ثقته في أن الجهد يُكافأ.

وهنا تلتقي الخيوط الثلاثة. شباب يشعر بالإقصاء الاقتصادي يصبح أكثر استعداداً للإنصات إلى خطاب شعبوي يعده بتغيير سريع. وفساد لا يُواجَه بحزم يغذي الشعور بأن اللعبة محسومة سلفاً. والنتيجة حلقة يغذي بعضها بعضاً، وهي المسار الذي يبدو أن الكاتبة تحذّر منه.

لكن الخبر، في صيغته المتاحة، لا يقدم أرقاماً تفصيلية عن حجم هذه التحولات، ولا يوضح ما إذا كانت الكاتبة تعتبرها مساراً لا رجعة فيه أم تحذيراً قابلاً للتدارك. وهذا فرق جوهري بين نبوءة وإنذار.

أين تنتهي المقارنة؟

المقارنة بإيطاليا جذابة صحفياً، لكنها تطرح أسئلة أكثر مما تجيب. هل يكفي تراجع في مؤشرات الفساد وصعود الشعبوية لنقول إن بلداً بحجم الولايات المتحدة يسلك مسار بلد آخر؟ الاقتصاد الأمريكي يملك عملة الاحتياط العالمية، وجامعات ومراكز ابتكار لا نظير لها، وسوقاً داخلية ضخمة. فكيف تتسق فكرة «الانزلاق نحو النموذج الإيطالي» مع هذه الركائز التي لم يتحدث الخبر عن تآكلها؟

ثم إن الشعبوية ليست حكراً على بلد دون آخر. فهل هي عَرَض لمرض اقتصادي، أم سبب له؟ الخبر لا يحسم، وربما لا تحسم الكاتبة نفسها.

وماذا عن القارئ المغربي؟

قد يبدو الأمر بعيداً عن الدار البيضاء ومراكش وأكادير. لكنه أقرب مما نظن. فالاقتصاد الأمريكي يؤثر في أسعار الفائدة العالمية وفي قيمة الدولار وفي حركة رؤوس الأموال، وكلها عناصر تنعكس على كلفة الاستيراد والاقتراض في بلد مثل المغرب. وأي اهتزاز في صورة القوة الكبرى يعني اضطراباً محتملاً في الأسواق التي نرتبط بها.

وهناك درس آخر لا يحتاج إلى ربط مباشر. المؤشرات التي تتحدث عنها الكاتبة، أي الفساد وثقة الشباب في سوق الشغل وإغراء الخطاب الشعبوي، هي نفسها التي تُطرح عندنا في كل نقاش عن مستقبل جيل كامل. الفرق أن أمريكا تملك هامشاً أوسع لتحمّل الأخطاء، ونحن لا نملكه.

من المستفيد من رواية «الأفول»؟

ينبغي أيضاً أن نحذر من الإغراء المقابل. فروايات الأفول تروج جيداً، وتخدم من يريد أن يبرر خطاً سياسياً أو نموذجاً اقتصادياً بديلاً. والخبر، كما وصلنا، رأي كاتبة، وليس تقرير مؤسسة ولا حكماً نهائياً. الفرق بين الاثنين يستحق أن يُذكر.

غير أن قيمة الرأي لا تُقاس بمدى إثباته للأفول، بل بقدرته على طرح السؤال الصحيح: ماذا يحدث لقوة كبرى حين يفقد شبابها الإيمان بأن النظام يعمل لصالحهم؟

الجواب، إن كانت فوروهار محقة، لن يأتي من واشنطن وحدها. وإن كانت مخطئة، فمن سيعتذر لإيطاليا عن المقارنة؟

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية