هل تعود موجة التضخم إلى المغرب من بوابة محطات الوقود؟

هل تعود موجة التضخم إلى المغرب من بوابة محطات الوقود؟

عاد سعر البنزين والغازوال إلى صدارة أحاديث المغاربة، وعاد معه سؤال يتردد في الأسواق والمقاهي ومكاتب الاقتصاديين: هل نحن أمام موجة تضخم جديدة؟ موقع «هسبريس» تناول الموضوع تحت عنوان يطرح هذا التساؤل بالذات، بعدما أعاد غلاء المحروقات في المملكة مخاوف ارتفاع الأسعار إلى الواجهة.

المعطى المتاح لا يحمل أرقاماً دقيقة ولا تواريخ محددة. لكن السؤال نفسه يكفي ليفرض نفسه، لأن الوقود في المغرب ليس سلعة معزولة. إنه بند يدخل في كلفة كل شيء تقريباً.

لماذا يقلق سعر اللتر الجميع؟

حين يرتفع ثمن المحروقات، لا يدفع الثمن سائق السيارة وحده. تتحرك الشاحنة التي تنقل الخضر من الحقول إلى الأسواق، وتتحرك سيارة الأجرة والحافلة، وتتحرك آلات الفلاحة وورشات البناء. كل حلقة من هذه السلسلة تضيف جزءاً من الكلفة، وفي النهاية يصل الحساب إلى المستهلك عند الكاسير أو في فاتورة التنقل.

هذا هو المنطق العام الذي يجعل الاقتصاديين يربطون بين الطاقة والتضخم. الوقود يعمل كأنه ضريبة صامتة تنتشر في الأسعار كلها، وقد لا يشعر بها المواطن دفعة واحدة، بل على شكل زيادات صغيرة متفرقة تبدو كل واحدة منها عادية.

والمغرب، كما هو معروف، بلد يستورد الجزء الأكبر من حاجاته الطاقية. لذلك يبقى سعر المحروقات عنده مرتبطاً بما يجري في الأسواق الخارجية، ويظل الاقتصاد المحلي حساساً لأي تقلب هناك.

ماذا يقول الخبر وماذا يسكت عنه؟

ما نُشر يضع الفكرة الأساسية: الغلاء يفتح باب التساؤل حول تضخم جديد. غير أن السؤال يبقى مفتوحاً أكثر مما هو مُجاب عنه. فالخبر، في ما هو متاح لنا منه، لا يحسم حجم الأثر ولا مداه، ولا يقول إن التضخم عاد فعلاً، بل يتساءل عنه. وهذا فرق مهم بين الخوف والواقع.

هناك فرق آخر لا يقل أهمية: بين ارتفاع سعر منتج واحد وموجة تضخم عامة. الأول يمكن أن يحدث دون الثاني إذا امتصته هوامش الربح أو تدخلت الدولة أو تراجعت أسعار مواد أخرى. والثاني لا يُعلن عنه إلا حين تتراكم مؤشرات الأسعار على مدى أشهر.

فهل نحن في المرحلة الأولى أم الثانية؟ الجواب لا تقدمه محطة وقود، بل الأرقام الرسمية للأسعار حين تصدر.

ما الذي يتغير عند الأسرة المغربية؟

على مستوى البيت، الأمر ملموس أكثر من أي مؤشر. الموظف الذي يقطع مسافة يومية إلى عمله يحسب ميزانية التنقل قبل نهاية الشهر. والتاجر الصغير الذي ينقل بضاعته يعيد حساب هامشه. والأسرة التي تراقب فاتورة الخضر والفواكه تنتظر لترى هل ستتبع الأسعار الوقود أم لا.

أما الدخل فهو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. الأسعار قد تتحرك بسرعة، لكن الأجور لا تتحرك بالسرعة نفسها. وهنا بالضبط تتحول الزيادة من رقم في نشرة اقتصادية إلى ضغط يومي.

من يربح ومن يدفع؟

هذا هو السؤال الذي يتجنبه النقاش العام غالباً. حين ترتفع الأسعار، يظهر المستهلك دائماً بوصفه المتضرر، ويبقى الآخرون في الظل: شركات التوزيع، وسطاء السوق، والدولة التي تجني جزءاً من سعر الوقود عبر الضرائب. لا يوجد في المعطى ما يسمح باتهام أحد منهم، ولا بتحديد من يستفيد فعلاً. لكن طرح السؤال مشروع تماماً، لأن الشفافية في تكوين سعر اللتر هي ما يحول الغضب إلى نقاش مفيد.

كيف يتكون السعر النهائي الذي يدفعه المواطن؟ وكم يذهب منه إلى الكلفة الحقيقية وكم إلى الهوامش والرسوم؟ تلك أسئلة ينتظر المغاربة جواباً واضحاً عنها منذ سنوات، وكلما عاد الغلاء عادت معها.

أين الخلل في النقاش؟

الخلل أن الحديث عن التضخم يتحول سريعاً إلى تخمين. البعض يعلن الأزمة قبل أن تظهر بياناتها، وآخرون يطمئنون قبل أن تكتمل الصورة. وبين المبالغتين يضيع المواطن الذي يريد شيئاً بسيطاً: أن يعرف هل ما يحسه في جيبه عابر أم مستمر.

وقد لا يكون الجواب واحداً لكل الأسر. فمن يعتمد على سيارته يوماً بعد يوم ليس كمن يتنقل بوسائل مشتركة، ومن ينفق معظم دخله على الغذاء ليس كمن يملك هامشاً للادخار.

سؤال يتجاوز محطات الوقود

يبقى أن «هسبريس» طرحت السؤال، والسؤال يستحق أن يُؤخذ بجدية دون تهويل. فالمطلوب ليس التخويف من موجة لم تثبت بعد، ولا التقليل من قلق له ما يبرره في كل بيت.

المطلوب أرقام واضحة، وتفسير مقنع لتكوين الأسعار، ومتابعة لأثر الوقود على بقية السلع خلال الأسابيع المقبلة. وحتى ذلك الحين، سيواصل المواطن حساب الفارق بنفسه، لتراً بعد لتر.

فإذا كان الجميع يتحدث عن احتمال موجة تضخم، فمن الذي يملك الجرأة ليقول للمغاربة بالأرقام إن كانت قد بدأت فعلاً؟

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية