بحسب ما نشره موقع entARABI، دخلت شركة IBM سوق الذكاء الاصطناعي بمنتج جديد اسمه Bob، وتوجّهه إلى البنوك والقطاعات الحساسة، وتفتح له الباب بشعار «السيادة الرقمية». العنوان وحده يقول الكثير: الشركة لا تبيع قدرات الأداة فقط، بل تبيع طمأنة. لكن هل تكفي الطمأنة لإقناع مؤسسات تحرس بيانات الناس وأموالهم؟
الخبر، في صيغته المتاحة، قصير في تفاصيله وكبير في دلالته. لا يعرض أرقاماً ولا قائمة عملاء ولا جدولاً زمنياً للإطلاق، ولذلك نكتفي هنا بما ورد فيه ونضع الأسئلة التي بقيت معلّقة.
ما الذي قيل فعلاً؟
المعلن أن IBM تقدّم Bob بوصفه حلاً للذكاء الاصطناعي موجهاً إلى قطاعات لا تتساهل مع الأخطاء، وفي مقدمتها القطاع البنكي. والمدخل الذي اختارته هو السيادة الرقمية، أي أن تبقى البيانات والقرارات التقنية تحت سيطرة الجهة المالكة لها لا في يد طرف بعيد.
وصف الموقع الخطوة بأنها مفاجأة لسوق الذكاء الاصطناعي. والمفاجأة هنا ليست في دخول IBM هذا السوق، فالشركة معروفة منذ عقود بخدمة المؤسسات الكبرى. المفاجأة في الزاوية: بدل سباق الأداء والسرعة الذي يملأ الأخبار، تختار الشركة سباق الثقة.
لماذا البنوك بالذات؟
القطاع البنكي هو أصعب زبون لأي تقنية جديدة. بياناته حساسة، وخضوعه للرقابة صارم، وأي خلل فيه يتحول بسرعة إلى أزمة ثقة. لذلك يتردد كثيراً في وضع معلوماته داخل أنظمة لا يتحكم فيها.
من هذه الزاوية يبدو رهان IBM منطقياً: من يعالج هذه الحساسية يفتح سوقاً واسعة ومستقرة. ومن يفشل فيها يخسر أهم زبائن التقنية المؤسسية. وهنا يصبح مصطلح «السيادة الرقمية» أداة تسويق بقدر ما هو وصف تقني.
أين الخلل؟
المشكلة أن الخبر يستعمل المفهوم ولا يشرحه. والسيادة الرقمية كلمة فضفاضة تحتمل معاني كثيرة.
هل المقصود أن تبقى البيانات داخل حدود بلد معين؟ أم أن تُشغَّل الأداة داخل خوادم المؤسسة نفسها؟ أم أن يملك العميل حق مراجعة كيفية اشتغال النموذج؟ كل تعريف من هذه يعني التزاماً مختلفاً وكلفة مختلفة. والمعطى المنشور لا يحسم أياً منها.
وهناك سؤال ثانٍ أكثر إحراجاً: كيف يتفق شعار السيادة مع منتج تقدمه شركة أجنبية كبرى؟ لا نقول إن في ذلك تناقضاً مؤكداً، فقد تكون الإجابة تقنية بحتة. لكن القارئ يحق له أن يسأل: أين ينتهي استقلال العميل وأين يبدأ اعتماده على المزوّد؟
من يربح؟
أول الرابحين IBM نفسها، إذ تضع قدماً في سوق يتسابق عليه الجميع بخطاب مختلف عن خطاب المنافسين. وقد يربح العملاء الكبار أيضاً إن ترجمت الوعود إلى ضمانات مكتوبة قابلة للتدقيق.
أما الخاسر المحتمل فهو العميل الذي يكتفي بالشعار. فالتجارب التقنية علّمت المؤسسات أن العقود تُقرأ بتفاصيلها الصغيرة لا بعناوينها الكبيرة.
وما شأن القارئ المغربي؟
لا يتضمن الخبر أي إشارة إلى المغرب، ولا إلى بنوكه أو سوقه. وليس من الأمانة أن نزعم عكس ذلك.
لكن الموضوع يمسّنا من باب آخر. المغرب يحتضن مؤسسات مالية كبيرة تتجه إلى الرقمنة، وتجد نفسها أمام السؤال ذاته: كيف نستفيد من الذكاء الاصطناعي دون أن نفرّط في السيطرة على بياناتنا؟ وفي بلد له قوانين لحماية المعطيات الشخصية، تصبح عبارة «أين تُخزَّن البيانات ومن يراقبها؟» سؤالاً عملياً لا ترفاً فكرياً.
وما يعنينا كمستخدمين عاديين بسيط: حين تدخل أداة ذكية إلى بنك، فإن بياناتنا هي التي تدخل معها. وليس لنا أن نعرف من الخبر ما إن كانت Bob ستمسّ هذه الدائرة أم لا.
الأسئلة التي ينتظرها الجميع
يبقى الخبر مفتوحاً على ما لم يُعلن: ما قدرات Bob بالتحديد؟ وما الضمانات التي يقدمها في الخصوصية والتدقيق؟ وهل يكفي لقب «السيادة» ليحل محل إثبات تقني قابل للفحص؟
حين تتحول السيادة إلى خانة في كتيّب تسويقي، من يملك فعلاً مفتاح الخزنة: البنك الذي يشتري الأداة، أم الشركة التي تبيعها؟







اترك تعليقاً