هل حان الوقت لترفيع لعبتنا السياسية؟

هل حان الوقت لترفيع لعبتنا السياسية؟

في كل مرة تشاهد فيها نقاشاً سياسياً على الشاشة أو تقرأ تعليقات الناس على مواقع التواصل، تلاحظ نمطاً متكراً: بدل أن نتحدث عن الحلول، نضيع وقتنا في الخلافات الحزبية التي لا تنتهي. والمواطن البسيط، الذي يهمه توفير لقمة العيش وتعليم أبنائه، يشعر أن النقاش السياسي ابتعد كل البعد عن همومه الحقيقية. هذا الشعور ليس من فراغ—إنه انعكاس لفجوة حقيقية بين ما تناقشه الأحزاب وبين ما يحتاجه المغرب الفعلي.

مؤخراً، أثار أحد المسؤولين الحكوميين البارزين هذه القضية بصراحة، دعياً إلى ضرورة إعادة صياغة الممارسة السياسية برمتها. الرسالة بسيطة لكنها عميقة: يجب أن نتجاوز الصراعات الضيقة والمصالح الحزبية الآنية لننظر إلى الصورة الأكبر—مصلحة الوطن والمواطنين.

متى أصبح الخلاف أهم من الحل؟

لا نستطيع أن نعطي ظهرنا لحقيقة مهمة: الحياة السياسية المغربية، على مدى سنوات، انشغلت بالمناكفات والمناوشات بين الأطراف المختلفة أكثر من انشغالها بالقضايا الجوهرية. التعليم لا يزال يحتاج إلى إصلاح شامل، البطالة تطارد آلاف الشباب، والخدمات الصحية في بعض الأقاليم لا تزال دون المستوى المطلوب. لكننا نسمع بدل كل ذلك جدلاً حول من يملك الحق في الاستحواذ على الأضواء، ومن الذي انتصر في اللقاء السياسي الأخير.

هذه الظاهرة ليست حديثة، لكنها بدأت تأخذ أشكالاً مقلقة. فالمواطن العادي، عندما ينظر إلى المشهد السياسي، يرى فوضى من الخلافات لا يفهم من ورائها سوى أن كل فريق يريد أن يثبت تفوقه على الآخر. وهذا ينتج عنه ما يمكن أن نسميه “إرهاق سياسي” لدى الشعب—تعب من هذا المسار الذي لا يقود إلى نتائج ملموسة تحسّن حياة الناس.

الفرق بين الصراع الصحي والصراع العقيم

هناك فرق حقيقي بين النقاش السياسي البناء والصراعات الحزبية العقيمة. في ديمقراطية صحية، يجب أن يختلف الناس على الأفكار والسياسات—هذا أمر طبيعي وضروري. لكن هذا الاختلاف يجب أن يصب في نهر واحد: تحسين الحياة العامة. عندما يصبح الصراع وسيلة لتحقيق أهداف حزبية ضيقة فقط، فإنه يفقد مشروعيته ويصير عائقاً أمام التطور.

الدعوة التي أطلقت مؤخراً تركز على هذه النقطة تحديداً: لننقل النقاش السياسي من مستوى المناكفة إلى مستوى المسؤولية الجماعية. هذا يعني أن يرفع كل حزب سياسي رؤيته ليس كي يهاجم الآخرين، بل كي يقدم حلاً أفضل لمشاكل المغاربة. هذا تحول يتطلب نضجاً سياسياً كبيراً، لكنه ليس مستحيلاً.

ماذا يعني هذا للمغربي العادي؟

قد تبدو هذه النقاشات بعيدة عن واقعك اليومي، لكنها بالفعل تؤثر عليك بشكل مباشر. عندما تفشل الأحزاب السياسية في الاتفاق على رؤية موحدة لتطوير التعليم مثلاً، يعني ذلك أن أطفالك قد لا يحصلون على الجودة التعليمية التي يستحقونها. وعندما ينشغل السياسيون بانتقاد بعضهم بدل العمل على توفير فرص عمل، فإن البطالة تستمر في الارتفاع.

الأمر يتعلق بأساسيات الحياة: الطعام الآمن، الدواء المتوفر، التعليم الجيد، فرصة عمل تليق. عندما تصبح هذه الأولويات محط جدال حزبي ضيق بدل أن تكون هدفاً مشتركاً، فإن المواطن هو من يدفع الثمن.

خطوات نحو ممارسة سياسية أفضل

لتحقيق هذا التطور المنشود، هناك خطوات عملية يمكن أن تساهم في رفع مستوى الحوار السياسي. أولاً، يجب أن نركز على البرامج لا على الشخصيات. البرنامج الواضح الذي يقدم حلولاً ملموسة أهم بكثير من الشعارات البراقة. ثانياً، يجب أن تكون هناك آليات للحوار الفعال بين الأحزاب المختلفة، حوار لا يهدف للانتصار بل للتوصل إلى حلول توافقية.

ثالثاً، دور الإعلام والمواطن نفسه مهم جداً. يجب أن نرفع أصواتنا طالبين ممارسة سياسية أعلى جودة، ممارسة تقيس نجاح السياسيين بناءً على ما أنجزوه لا بناءً على عدد مرات أطاحوا فيها بخصومهم إعلامياً. كما أن الاستثمار في التعليم السياسي والمدني للمواطنين يساعد في خلق جسم ناخب مستنير يختار بناءً على البرامج والكفاءة.

متى نبدأ؟

الواقع أن الدعوة لترقية الممارسة السياسية لا تأتي من فراغ. إنها تعكس تطلعاً ينمو في أوساط المجتمع المغربي نحو سياسة أكثر نضجاً وجدية. هناك وعي متزايد بأن الوقت الثمين يهدر في صراعات لا تخدم أحداً على الحقيقة.

لا نتحدث عن إلغاء الخلاف السياسي أو إجبار الجميع على الاتفاق—فهذا ضد طبيعة الديمقراطية. لكننا نتحدث عن إعادة صياغة طريقة إدارة هذا الخلاف، بحيث يصب في خدمة الصالح العام. هذا يتطلب شجاعة من القيادات السياسية، وثقة من المواطنين، ورغبة حقيقية من الجميع في بناء مغرب أفضل.

الخلاصة

التطور السياسي ليس حفلة موسيقية ينتهي بصرخة انتصار لفريق على آخر. إنه رحلة مستمرة نحو ممارسة أكثر مسؤولية وفعالية وقرباً من هموم الناس. الدعوة الأخيرة لتجاوز المناوشات الحزبية الضيقة هي دعوة لكل منا—للسياسيين والإعلاميين والمواطنين. قد تبدو خطوة صغيرة، لكن التغيير الحقيقي يبدأ دائماً من تحول في الذهنية.

ما رأيك أنت؟ هل تشعر فعلاً أن النقاش السياسي ابتعد عن احتياجات المغاربة الحقيقية؟ شارك رأيك معنا في التعليقات.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية