المسألة التي تشغل بال المجتمع
يقف المغربي اليوم أمام سؤال إنساني حقيقي: هل يستحق من وقع في براثن التطرف والعنف فرصة ثانية؟ هل يمكن لمن ضاعوا في الأيديولوجيات المتطرفة أن يعودوا إلى أنفسهم وإلى مجتمعهم؟ هذه التساؤلات لم تعد نظرية بعيدة، بل أصبحت واقعاً عملياً يشتغل عليه المغرب بجدية واقتناع.
إن الحديث عن إعادة التأهيل والاستقامة ليس ترفاً فكرياً، بل حاجة أمنية واجتماعية عميقة. عندما نتحدث عن سجناء قضايا الإرهاب والتطرف، فنحن نتحدث عن آلاف الأشخاص الذين سيعودون يوماً ما إلى أحيائنا وعائلاتنا وأسواقنا. والسؤال ليس فقط “هل سيُفرج عنهم؟” بل “كيف سيعودون؟ وهل سيكونون خطراً أم فرصة للتغيير؟”
برنامج تأهيلي يراهن على التغيير
أطلقت السلطات المغربية دورة جديدة من برنامج تأهيلي متخصص موجه للسجناء المدانين في قضايا تتعلق بالإرهاب والتطرف. هذا البرنامج ليس مجرد حصص تدريبية عادية، بل هو منهج شامل يستهدف إعادة برمجة الفكر وإعادة دمج الأفراد في نسيج المجتمع بطريقة آمنة وحكيمة.
يعتمد البرنامج على رؤية متعددة الأبعاد. لا يقتصر على الجانب الأمني وحسب، بل يمتد ليشمل البعد النفسي والاجتماعي والديني. المسؤولون يدركون أن الشخص الذي يدخل السجن تحت تأثير فكر متطرف ما، لا يمكن أن يخرج منه بمجرد انقضاء الحكم القضائي. هناك حاجة لعملية تحويل حقيقية، عملية إعادة اكتشاف للقيم الإنسانية والدينية الصحيحة.
محاور التأهيل: من الفكر إلى السلوك
تركز هذه البرامج على عدة محاور متكاملة. أولاً، هناك الجانب التعليمي الديني، حيث يتعرف السجناء على الفهم الصحيح والمعتدل للدين الإسلامي، بعيداً عن التفسيرات المشوهة التي استُخدمت لتجنيدهم في الأصل. إن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فيهما من الحكمة والرحمة ما يرفع الإنسان إلى أعلى درجات الإنسانية، وليس ما يدفعه إلى العنف والدمار.
ثانياً، هناك الدعم النفسي والعلاجي. كثير من الأفراد الذين انجرفوا نحو التطرف يعانون من جراح نفسية عميقة: الشعور بالاستبعاد، فقدان الهوية، البحث عن الانتماء بأي ثمن. الأخصائيون النفسيون يعملون على فهم وعلاج هذه الجروح، ليستعيد السجين ثقته بنفسه وبقيمته كإنسان.
ثالثاً، التدريب المهني والاقتصادي. ليس كافياً أن نصحح الفكر وحده؛ يجب أن نعطي السجين أملاً ملموساً في المستقبل. عندما يخرج من السجن وهو يحمل مهارة حقيقية، عندما يرى أمامه طريقاً اقتصادياً واقعياً للعيش الكريم، تتضاءل احتمالية عودته للطريق الضائعة.
لماذا تهتم الدولة بهذا البرنامج؟
قد يتساءل البعض: ألا نكون في هذا رحماء على من اختاروا العنف؟ الإجابة واضحة: هذا ليس رحمة عمياء، بل حكمة سياسية واجتماعية. المغرب عانى من موجات إرهابية في السنوات الماضية، وعرف الكثيرين الألم والخسارة. لكن الدولة أدركت درساً مهماً: أن السجن وحده، دون إعادة تأهيل، قد ينتج عنه إرهابيون أكثر تطرفاً. عندما يخرج شخص من السجن وهو يكره المجتمع والدولة أكثر من قبل، عندما يشعر أنه لم يجد سوى الانتقام والحقد، فإنه قد يصبح بذرة جديدة للكراهية.
من جهة أخرى، هناك الجانب الإنساني الذي لا يمكن تجاهله. في الإسلام، التوبة باب مفتوح أمام كل نفس تريد الرجوع. قال تعالى: “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً” (سورة الزمر). العدل الحقيقي لا يعني الانتقام الأعمى، بل يعني السعي لإصلاح الإنسان وتصحيح مساره.
من العودة الآمنة إلى التكامل الاجتماعي
الهدف النهائي للبرنامج ليس فقط إطلاق سراح سجين “مسالم” من الناحية الأمنية، بل إعادة دمج شخص صار مواطناً منتجاً وفعالاً. هذا يتطلب التنسيق بين السلطات المختصة والمجتمع المدني والعائلات والمسؤولين المحليين.
تقتضي إعادة الدمج الناجحة أن تتعاون المحليات والجمعيات المدنية على دعم هذه الأفراد عند عودتهم. قد يكون أحدهم بحاجة للمساعدة في إيجاد عمل، وآخر قد يحتاج لدعم نفسي مستمر، وثالث قد يحتاج فقط لعودة آمنة إلى عائلته. هذا العمل الجماعي هو الذي سيحدد نجاح أو فشل البرنامج برمته.
التحدي الحقيقي: تغيير الذهنيات
لا ننسَ أن هناك تحدياً حقيقياً في هذا المسار. ليس كل من يدخل برنامج التأهيل سينجح، وليس كل من يخرج من السجن سيكون صادقاً في نيته. هناك نسبة من الحالات التي قد لا تستجيب للبرنامج أو قد تعود للطريق الخاطئة. هذا واقع يجب الاعتراف به بصراحة.
لكن الاعتراف بالتحديات لا يعني التوقف عن المحاولة. كل فرد ينجح في العودة للطريق الصحيح هو انتصار حقيقي، ليس فقط للسجين نفسه وعائلته، بل للمجتمع بأكمله. هو فرصة أقل للإرهاب، وفرصة أكثر للاستقرار والسلام.
الدرس الذي يعلمنا المغرب
ما يقوم به المغرب من خلال هذه البرامج يعكس نضجاً سياسياً واجتماعياً حقيقياً. إنه يقول: نعم، حققنا العدالة من خلال المحاكمات والعقوبات، لكننا لا نكتفي بذلك. نريد أيضاً السلام الحقيقي، والسلام لا يُبنى على الانتقام وحده، بل على فرص التصحيح والتغيير.
هذا لا يعني التساهل أو الضعف. بل هو قوة حقيقية: قوة المجتمع الذي يثق بقدرة الإنسان على التغيير، الذي يقدم فرصة ثانية لمن أخطأ، الذي يؤمن أن الحكمة أفضل من الانتقام الأعمى.
كلمة أخيرة: الأمل والمسؤولية
عندما نقرأ عن برامج مثل هذه، قد نشعر بخليط من الأمل والقلق. الأمل لأن المجتمع يحاول إصلاح ما كسره التطرف. القلق لأننا نعرف أن الطريق طويلة وشاقة. لكن ما يجب أن نتذكره دائماً هو أن هذه البرامج لا تعمل وحدها. كل واحد منا، كمواطن، له دور في نجاحها.
عندما يعود أحد هؤلاء الأفراد إلى حينا، هل سنستقبله بذراع ملتوية وعين ريبة، أم بقلب منفتح وفرصة حقيقية؟ الأمن الحقيقي لا يأتي من السجون وحدها، بل من المجتمعات التي تختار الحكمة والأمل على الانتقام والاستبعاد.
ما رأيك أنت؟ هل تؤمن أن التطرف يمكن أن يُعالج من خلال البرامج التأهيلية؟ شارك رأيك معنا.







اترك تعليقاً