تمر المشهد السياسي والاجتماعي المغربي بحالة من التطور المستمر، حيث تشهد الحركات الإسلامية تحولات عميقة تؤثر على دورها الاجتماعي. وفي هذا السياق، تبدو جماعة العدل والإحسان أقل حضوراً مما كانت عليه سابقاً، سؤال يطرحه المراقبون والمهتمون: هل اندثرت الجماعة فعلاً، أم أن أمراضاً تنظيمية وسياسية تحد من تأثيرها؟ هذا السؤال ليس مجرد قضية نخبوية، بل يمس الحياة الاجتماعية والسياسية للمواطن المغربي الذي يشهد تراجعاً في المشاركات الاجتماعية للجماعة التي كانت تتمتع بحضور ملموس في السابق.
الملاحظة الأولى التي يسجلها المراقبون أن الجماعة شهدت فترة من الخمول والتراجع بعد غياب مؤسسها، الأمر الذي يشير إلى مشكلة أساسية في البناء التنظيمي للحركة. فالاعتماد الكبير على شخصية واحدة يؤدي إلى أزمة قيادة عند غيابها، وهذا ما تعاني منه الجماعة حالياً، مما يفسر جزئياً تراجعها عن الساحة الاجتماعية والسياسية.
الانقسامات الداخلية: عندما تنقسم الحركة على نفسها
إحدى أهم المشاكل التي تواجه جماعة العدل والإحسان تتعلق بالانقسامات الداخلية التي لا تقل خطورة عن التحديات الخارجية. نقاش حاد دار داخل صفوف الجماعة حول طبيعة الرابط التنظيمي ذاته، فبعض الأعضاء يرون أن الصحبة والانتماء يجب أن يكون لشخص القيادة، بينما يصر آخرون على أن الارتباط يجب أن ينصب على الهياكل والمؤسسات التنظيمية وليس على فرد بعينه. هذا الخلاف الفلسفي حول الهوية التنظيمية للجماعة أضعف من تماسكها الداخلي بشكل كبير.
هذه الانقسامات لم تبق على مستوى النقاش النظري فقط، بل انعكست على الواقع العملي من خلال عمليات فصل واسعة طالت عدداً كبيراً من أعضاء الجماعة الذين لم يتوافقوا مع التوجهات الجديدة. كما شهدت الجماعة تهميشاً تدريجياً للإطارات الفكرية والعناصر التي تطرح رؤى جديدة تتجاوز الخط التقليدي، الأمر الذي أثر على الحيوية الفكرية والابتكار داخل التنظيم.
الاختيار السياسي: العزلة بدلاً من المشاركة
من أبرز الخيارات السياسية التاريخية للجماعة موقفها من العملية الانتخابية والمشاركة المباشرة في الحياة السياسية الرسمية. اتخذت جماعة العدل والإحسان موقفاً من المقاطعة والعزلة عن الانتخابات لسنوات طويلة، معتبرة أن الحل الثوري أو الانقلابي قد يكون الطريق الوحيد للتغيير الجذري. غير أن هذا الموقف، وإن كان مبرراً من وجهة نظر نظرية معينة، أثبت أنه كان خطأ استراتيجياً بعيد النظر.
المفارقة أن الانتخابات والمشاركة المؤسسية قد تكون في الواقع الطريق الأفضل والأكثر فعالية للتأثير على السياسات الاجتماعية والاقتصادية بالمقارنة مع البقاء خارج اللعبة السياسية. بقاء الجماعة في العزلة السياسية حرمها من القدرة على التأثير الفعلي على صناعة القرار، وحدّ من قدرتها على تحقيق برامجها الاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي أثر بشكل سلبي على مصداقيتها ودورها الاجتماعي.
الانعزال الاجتماعي: عندما تنقطع الجماعة عن المجتمع
إلى جانب العزلة السياسية، تعاني الجماعة من ما يمكن أن نسميه بالانعزال الاجتماعي والمؤسسي. اختيار عدم مخالطة الناس والشعب بشكل فعلي، والانقطاع عن التفاعل المباشر مع المؤسسات الرسمية والمجتمعية، أثر بشكل كبير على حضورها الاجتماعي. الحركات الاجتماعية لا يمكنها أن تبقى حية وتؤثر إذا ما انقطعت عن احتكاكها المستمر بقاعدتها الشعبية والمؤسسات التي تعمل بها.
هذا الانعزال الاختياري خلق فراغاً في الساحة الاجتماعية ملأته حركات إسلامية أخرى أكثر براغماتية وقابلية للتفاعل مع الواقع. فقدت الجماعة بهذا الطريق جزءاً كبيراً من تأثيرها على الشارع والمؤسسات، وأصبحت تتحدث عن قضايا لا تشارك في معالجتها بشكل عملي وملموس.
التفتت التنظيمي: تآكل من الداخل
يرجع الكثير من المراقبين السبب الرئيسي لتراجع الجماعة إلى مجموعة من العوامل الداخلية التي تراكمت مع الزمن وأضعفت البناء التنظيمي للحركة. العمليات الانضباطية الصارمة والفصل المتكرر للأعضاء دون توافق حول معايير واضحة أثارت استياءً كبيراً داخل الصفوف. بالإضافة إلى ذلك، فإن الخلافات حول طبيعة القيادة والتوجيه الفكري أضعفت من قدرة الجماعة على اتخاذ قرارات موحدة وسريعة.
هذا التفتت الداخلي انعكس بشكل مباشر على القدرات التنفيذية للجماعة، فأصبحت أقل قدرة على تنظيم حملات اجتماعية فعالة أو مشاريع خدمية ملموسة. الطاقة التنظيمية التي كانت يجب أن توجه نحو العمل الاجتماعي والخدمة العامة استنزفت في الصراعات الداخلية والانقسامات.
الانعكاسات على الساحة العامة
اليوم، أصبحت جماعة العدل والإحسان غير مرئية بشكل كبير في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية للمغرب. هذا الغياب ليس اختفاءً كاملاً للجماعة، بل هو تراجع تدريجي عن الساحة العامة والتأثير على السياسات والقرارات. المشاريع الخيرية التي كانت تقودها الجماعة، والحضور الديني والتوعوي الذي كانت تتمتع به، كل ذلك خفت بشكل ملحوظ.
هذا الواقع ينعكس سلباً على الشأن العام المغربي، فحركة اجتماعية بهذا الحجم والتأثير التاريخي لا يمكن أن تختفي دون أن يؤثر غيابها على المشهد الاجتماعي والسياسي الأوسع. فقدان تنوع الأصوات والحركات الاجتماعية يقلل من قدرة المجتمع على التعبير عن كل احتياجاته وطموحاته.
هل من طريق للعودة؟
الجماعة لم تندثر تماماً، وبقاياها التنظيمية موجودة، غير أن قدرتها على الفعل والتأثير تراجعت بشكل حاد. العودة إلى الساحة تتطلب معالجة جذرية للمشاكل الداخلية، وإعادة نظر شاملة في الخيارات السياسية والاستراتيجية. قد تحتاج الجماعة إلى تجديد قيادتها، وإعادة هيكلة تنظيمية تركز على البناء المؤسسي بدلاً من الاعتماد على شخصيات فردية.
كما أن التفاعل المباشر مع الحياة السياسية والاجتماعية، بدلاً من الانعزال والمقاطعة، قد يكون المفتاح الذي تحتاجه الجماعة لاستعادة دورها الفعلي. المشاركة في الانتخابات والعمل المؤسسي لا تتنافى مع الرؤية الفكرية الأساسية للجماعة، بل قد تكون الأداة الأمثل لتحقيق أهدافها الاجتماعية والتنموية.
الخلاصة: أمراض تنظيمية وليس موت حتمي
جماعة العدل والإحسان لم تندثر بالمعنى الحرفي، غير أن الأمراض التنظيمية والاختيارات السياسية الخاطئة أضعفتها بشكل كبير جداً. الانقسامات الداخلية، والفصل المتكرر للأعضاء، والانعزال السياسي والاجتماعي، كل هذه عوامل تراكمت وأبعدت الجماعة عن دورها التاريخي في الحياة العامة. المسألة ليست اندثاراً حتمياً، بل هي حالة من الجمود والتراجع التي قد تكون قابلة للمعالجة إذا ما توافرت الإرادة الحقيقية للإصلاح الجذري.
ما رأيك أنت حول دور الحركات الاجتماعية في المشهد السياسي المغربي؟ هل تعتقد أن العودة إلى الانتخابات والعمل المؤسسي ستغير واقع الجماعات الإسلامية؟ شارك رأيك في التعليقات.







اترك تعليقاً