في عالمنا المعاصر، حيث تسود المؤسسات والهياكل التنظيمية، قد نسينا حقيقة بسيطة لكنها عميقة: أن بعض المعاني الروحية لا يمكن نقلها عبر الأوراق والبرامج وحدها. فالأمانة التي تُحمل من قلب إلى قلب، والحكمة التي تُورّث من معلّم إلى طالب، تختلف جوهرياً عن ما يمكن لمجلس أو هيئة تنظيمية أن توفره. هذا ليس انتقاصاً من أهمية التنظيم، بل إدراك عميق لخصوصية المسار الروحي الذي يتطلب حضوراً إنسانياً حياً، لا وسيطاً مؤسسياً بيروقراطياً.
هذا السؤال يطرح نفسه بإلحاح خاصة عندما نسمع بعض الدعاة والمسؤولين في الحركات الإسلامية يختزلون تجديد الإمام عبد السلام ياسين في مفهوم الإحسان إلى مجرد برامج ومجالس. فما الذي يحدث حقاً؟ وهل فعلاً يمكن نقل روح المسار الروحي من خلال هياكل تنظيمية؟
حين يُخلط بين الوسيلة والغاية
ينطلق الخطاب المؤسسي المعاصر من افتراض أساسي: أن تجديد مفهوم الإحسان ينحصر في نقل معارف الصوفية وطرقهم التقليدية إلى داخل أطر تنظيمية حديثة. لكن هذا النقل، كما يُعرض الآن، يشكل تشويهاً واضحاً لما قصده الإمام ياسين في دعوته. الإمام لم يقل إن الإحسان يوجد بكامله في مجالس الجماعة، بل أشار إلى أن ما يقدمه متاح في تلك المجالس، تماماً كما كان العارفون بالله من الصوفيين يقولون إن ما يملكونه موجود في أوراد الطريقة ومجالسها. لكن القصد كان دائماً: أن المجلس والورد والبرنامج مجرد وعاء يحمل الأمانة، لا أن الوعاء نفسه هو الأمانة.
الفارق جوهري وليس لفظياً. عندما يصبح الوعاء (المؤسسة والبرامج والمجالس) هو الأصل، والصحبة المباشرة مع العارف بالله تصبح ثانوية، يحدث تحريف عظيم لمعنى الإحسان. فالصحبة الحقيقية ليست مجرد حضور في مجلس أو متابعة برنامج، بل هي اتصال روحي بين من يعرف الطريق وبين من يطلبها. هذا الاتصال يتطلب معرفة شخصية عميقة، وملاحظة دقيقة لأحوال الطالب، وتوجيهاً يناسب حاله الخاص لا حاله الجماعي وحسب.
المسجد جرّب هذا الطريق فلم ينجح
هنا تكمن السخرية القاتمة من الخطاب الذي يدافع عن هذا التحريف. المسجد، ومنذ فجر الإسلام، ظل مكاناً يجتمع فيه الناس للعبادة والتعليم. لو كانت الهياكل المؤسسية والبرامج الجماعية كافية لنقل أمانة الصحبة والإحسان، لكان المسجد هو الوعاء الأمثل لذلك. لكن التاريخ الإسلامي يخبرنا قصة مختلفة تماماً. الصحابة الذين حملوا أعظم مرتبة من الإحسان، لم ينالوها عبر برامج جماعية بقدر ما ناموها من خلال صحبة مباشرة مع النبي صلى الله عليه وسلم.
الحركات الإسلامية المعاصرة، وهنا يكمن نقد الإمام ياسين الأساسي لها، قد انحرفت عندما فصلت الإحسان عن مشروعها. اختارت الطريق المؤسسي البحت، معتقدة أنها بذلك تحقق أهدافاً أسرع وأكثر فعالية. لكنها بذلك قطعت الجذر الروحي الذي يمنح العمل الحركي روحاً وحياة. فعندما تقول هذه الحركات أو أتباعها إن ما لديهم يوجد في مجالسهم وبرامجهم، فهم يكررون نفس الخطأ الذي كانوا يقعون فيه قبل أن ينبههم الإمام إليه.
الصوفية والطريقة: درس في التمييز
الطرق الصوفية التقليدية، رغم كل ما يُقال عنها من انحرافات، فهمت حقيقة واحدة بوضوح: الصحبة مع الشيخ لا تُختزل في الاجتماع في مجلس أو في تلاوة ورد. الشيخ في التقليد الصوفي ليس موظفاً في مؤسسة، بل هو رجل عرف الله وسار الطريق، فأصبح حاملاً لأمانة روحية من خلال قلبه ومعرفته وحاله. عندما يقول الشيخ الصوفي إن ما لديه يوجد في طريقته وأوراده، فهو لا ينفي الحاجة إلى صحبته الشخصية، بل يؤكد أن الطريقة مجرد إطار ظاهري لحقيقة باطنية لا يمكن نقلها إلا من قلب عارف بالله إلى قلب طالب جاد.
والإمام عبد السلام ياسين، في تجديده، لم يأتِ بشيء مختلف جوهرياً في هذا الباب. بل جاء ليقول: إن الإحسان الذي نحتاجه كأمة إسلامية في هذا العصر يتطلب وراثة روحية حقيقية من قلوب من عرفوا الله إلى قلوب من يطلبون وجهه. والمجالس والبرامج والتنظيمات، إن لم تكن حاملة لهذا الروح من خلال رجال عارفين بالله فيها، فإنها تصبح قشوراً خاوية من المضمون.
الطريقة المغلوطة في العرض والتحريف الخطير
لكن هناك قضية ثانية في هذا الموضوع، قد تكون أخطر من الأولى: طريقة عرض هذا الفهم المشوه. عندما يُعرض مفهوم عميق وجلل كالإحسان والصحبة الروحية بأسلوب يشبه حكايات الجدات، حيث التكلف والمبالغة والدغدغة العاطفية، فإن ذلك يشكل إساءة مركبة. فأولاً: يُفرغ المفهوم من عمقه. وثانياً: يُحوله إلى سلعة عاطفية سهلة الهضم، بعيدة كل البعد عن طلب الحق والتعب في الطريق. والإحسان، بطبيعته، يتطلب صدقاً وجدية وتضحية، لا عرضاً ترفيهياً مُزخرفاً.
هذا النوع من الخطاب قد يروق للعامة، وقد ينجح من ناحية تسويقية في جذب الجماهير، لكنه يفقد أي مضمون روحي حقيقي. المعاني التي ورثها الرجال من بحر النبوة لا تُنقل بأسلوب الحكواتي أو الموسيقار. تُنقل بجدية القلب وصفاء النية وعمق المعرفة.
الوارثون الحقيقيون: أمل في المستقبل
لعل الأمل يكمن في أن الله عز وجل لم يترك هذه الأمة بلا وراثة حقيقية. فما دام قد وجد رجال عرفوا الله حقاً، وأمانة الصحبة في أيديهم حية، فإن هناك أملاً في ظهور ورثة حقيقيين لهذه الأمانة. هؤلاء الورثة لن يختزلوا الإحسان في برامج ومجالس، بل سيحملونه في قلوب نقية وعلم صحيح وعمل صادق. وحينها، ستعود الأمانة إلى نصابها، والصحبة ستستعيد معناها الحقيقي.
التحريف العظيم الذي نشهده اليوم ليس خطأ عفوياً، بل هو نتيجة ابتعاد تدريجي عن جوهر المسار الروحي. الحل ليس في الدعوة إلى تفكيك المؤسسات والبرامج، بل في استعادة روحها من خلال رجال عارفين بالله يحملون الأمانة بقلوب صادقة. فهل نستطيع العودة إلى الجوهر قبل فوات الأوان؟







اترك تعليقاً