عندما تقترب موعد الانتخابات، تشعر بنبض مختلف في أروقة الأحزاب السياسية. التنافس لا يقتصر على صناديق الاقتراع، بل يبدأ قبلها بكثير—في غرف الاجتماعات، في اللقاءات الحزبية، في قاعات التزكيات والترشيحات. وفي هذه اللحظات الحاسمة، تظهر أسئلة قديمة وعميقة عن كيفية اختيار من يمثلنا، وعلى أي أساس نقرر أن هذا الشخص أحق من ذاك.
في إقليم الناظور، أعاد ملف التزكيات الانتخابية داخل حزب الاستقلال إضاءة نقاش حي عن معايير الاختيار والأولويات الحزبية. وفي القلب من هذا النقاش تكمن إشكالية إنسانية أعمق: كيف نوازن بين الوفاء للرموز التاريخية التي بنت المؤسسة، وبين الحاجة للدماء الجديدة التي تحمل طاقة وتطلعات جديدة؟
الخلاف الذي يعكس تطوراً حزبياً طبيعياً
تحكي التقارير المحلية عن استياء متنام بين قيادات وفعاليين حزبيين في الناظور، الذين يرون أن المرشحين الجدد والمنضمين حديثاً للحزب يحظون بأولوية تفوق تلك الممنوحة لأسماء قضت سنوات طويلة في العمل الميداني والتنظيمي. هذا الاستياء، على ما يبدو، لم يأتِ من فراغ، بل هو انعكاس طبيعي لتطور يشهده الحزب نفسه، الذي يسعى لتعديل صفوفه والاستفادة من طاقات جديدة في مراحل انتخابية حساسة.
لكن هذا التطور يثير، بحق، أسئلة جوهرية حول العدالة والمساواة الداخلية. ليس من السهل أن تقضي سنوات في الدعوة لفكرة حزبية، تحضر الاجتماعات في الأيام العصيبة، تُسهم في البناء التنظيمي، ثم تجد نفسك مدفوعاً جانباً لصالح وجه جديد يملك اسماً أكثر لمعاناً أو علاقات قد تكون أوسع. إنها معضلة إنسانية بقدر ما هي معضلة سياسية.
الدرس من التجارب الحزبية المقارنة
في الأحزاب السياسية الناضجة عالمياً، يحاول الكثير منها إيجاد توازن حكيم بين هذا الثنائي. فهي تدرك أن الكوادر القديمة تمثل الذاكرة الحية للحزب وتراكم خبرته، وأن فقدانها قد يعني خسارة مؤسسية فادحة. في الوقت ذاته، تدرك أن الحزب كائن حي ينمو أو يموت، وأن جذب وجوه جديدة موهوبة ضرورة حتمية لضمان استمراريته.
المشكلة ليست إذاً في وجود وجوه جديدة—هذا صحي جداً—بل في كيفية دمجها وإدارة التوقعات حول مسارها. عندما ينضم شخص جديد إلى حزب، يحتاج إلى فترة من التعلم والتراكم، وليس إلى القفز المباشر إلى أعلى المواقع. هذا لا ينطبق على الجميع بالتأكيد، فقد يملك الشخص الجديد كفاءات حقيقية تستحق التسريع، لكن العملية برمتها تتطلب شفافية وعدالة واضحة في المعايير.
معايير الاختيار: أين التوازن؟
السؤال الأساسي الذي يطرحه هذا الملف هو: ما المعايير الموضوعية لاختيار المرشحين؟ هل هي الخبرة والحضور الميداني المتراكم عبر السنين؟ أم هي القدرة على الفوز والتأثير الانتخابي؟ أم هي مزيج من كل هذا مع إضافة عناصر مثل التمثيل الجغرافي والتنوع الاجتماعي والجندري؟
في مختلف الأحزاب، تختلف هذه المعايير، وليس هناك صيغة واحدة صحيحة تنطبق على الجميع. لكن ما يظل ثابتاً هو أن غياب الوضوح في المعايير يولد شعوراً بالظلم والإقصاء، سواء كان هناك ظلم فعلي أم لا. عندما لا يفهم الكوادر القديمة سبب تفضيل الجديدة عليها، تبدأ الروايات المختلفة بالانتشار، وتنخفض المعنويات، ويضعف الالتزام الحزبي.
الآية الكريمة تقول: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا” (سورة الحجرات). هذه الآية، بمعناها الأوسع، تدعونا إلى الاعتراف بقيمة كل فرد ودوره المختلف في المجتمع. وقد ينطبق ذات المبدأ على المؤسسات والأحزاب: كل الأصوات مهمة، والعدالة في المعاملة أساس التماسك.
لماذا يهمك هذا إذا كنت ناخباً عادياً؟
قد تتساءل: ماذا يعني لي كناخب عادي ما يحدث داخل أروقة حزب معين؟ الإجابة أهم مما تبدو. عندما يفقد الحزب قيادات وكوادر محترمة بسبب إحساس بالإقصاء أو عدم العدالة، يفقد بالضرورة قسماً من قوته التنظيمية والتمثيلية. هذا ينعكس على الخدمات التي يقدمها لدائرته الانتخابية، وعلى مستوى الالتزام والحماس الذي يحظى به داخل المجتمع المحلي.
علاوة على ذلك، الطريقة التي تختار بها الأحزاب مرشحيها تشير إلى نوعية الديمقراطية الداخلية التي تمارسها. والديمقراطية الداخلية القوية هي غالباً مؤشر على ديمقراطية أقوى في التعامل مع المواطنين والملفات الوطنية.
البحث عن معايير شفافة وعادلة
الحل، كما يراه كثير من المراقبين السياسيين، لا يكمن في اختيار جانب على حساب الآخر، بل في إعادة تنظيم العملية برمتها. الأحزاب الناضجة تبني آليات واضحة للترشيح تشمل معايير معروفة مسبقاً، وعمليات تصويت داخلية تحترم آراء الكوادر، وفرص حقيقية للنقاش والحوار قبل اتخاذ القرارات النهائية.
عندما تكون هذه العمليات شفافة، حتى لو لم تُرضِ الجميع، يشعر الجميع بأنهم سمعوا وقُدروا. وهذا، بحد ذاته، يصنع فارقاً كبيراً في الروح المعنوية والالتزام المؤسسي.
الخلاصة: توازن بين الأمس والغد
الحقيقة أن الصراع بين الخبرة والطموح ليس صراعاً تدمره، بل هو، إذا أُدير بحكمة، منبع حيوية وتطور. المؤسسات التي تنسى ماضيها وروادها الأوائل تفقد هويتها، والتي ترفض الجديد تموت جفافاً. الفن يكمن في كيفية بناء الجسور بينهما.
بينما تتابع هذا الملف في الناظور وغيره، تذكر أن ما يحدث في غرف القرار الحزبية اليوم سيؤثر على جودة التمثيل والخدمات غداً. شارك برأيك: برأيك، هل على الأحزاب أن تعطي وزناً أكبر للخبرة والتاريخ، أم أنها بحاجة فعلاً إلى تجديد جسور الدماء؟ وكيف نضمن عدم خسارة الطاقات المهمة في العملية؟







اترك تعليقاً