عندما تهتز الأرض تحت أقدام الناس، ينهار في لحظة كل ما بنوه بعرق الجبين. المنازل تصبح أنقاضاً، والأحلام تدفن تحت الركام، والخوف يملأ القلوب. في تلك اللحظات العصيبة، تُختبر إنسانيتنا الحقيقية لا من خلال ما نملكه، بل من خلال ما نعطيه للآخرين رغم المسافات والحدود الجغرافية التي تفصلنا.
كما سكان المغرب، نفهم هذا الألم جيداً. ذكريات الزلزال المدمر الذي ضرب الحوز سنة 1960 لا تزال حية في الذاكرة الجماعية، وكذا الهزات الأرضية التي ألمت بمناطق أخرى من بلادنا. لكن اليوم، موضوعنا يتعلق بشعب بعيد جغرافياً، لكنه قريب من قلوبنا بفضل قيم التضامن الإنساني التي تجمعنا.
عندما يتحول التعاطف إلى فعل ملموس
في مؤشر جميل على الدبلوماسية الإنسانية، بعث الملك محمد السادس برقية تعزية ومواساة إلى الرئيس الكولومبي عقب تعرض عدة مناطق من كولومبيا لهزة أرضية قوية. لم تكن هذه مجرد كلمات توديع طقسية يفرضها البروتوكول الدبلوماسي، بل رسالة تجسد فهماً عميقاً لما يعانيه الشعب الكولومبي. عبّر الملك في برقيته عن تأثره الشديد بنبأ هذا الكارثة الطبيعية، وأعرب عن مواساته الصادقة للرئيس والشعب الكولومبي على ما يمرون به.
هذه الحركة، مهما بدت بسيطة في الظاهر، تحمل رسائل عميقة. فالزعيم الحكيم لا يقتصر اهتمامه على مصالح وطنه فقط، بل يدرك أن الإنسانية المشتركة تتجاوز الحدود والثقافات. عندما تحدث كارثة طبيعية في أي مكان من العالم، يصبح ألمها ألماً للبشرية جمعاء. الأرض التي تهز تحت أقدام الكولومبيين اليوم قد تهز غداً تحت أقدام المغاربة أو أي شعب آخر. لا أحد محصّن من الكوارث الطبيعية.
لماذا يهمك هذا الخبر كمواطن عربي ومغربي؟
قد تتساءل: ما الفائدة من أن نهتم بما يحدث في كولومبيا، دولة بعيدة عنا؟ والإجابة بسيطة وقوية: لأن الإنسانية لا تحترم الحدود السياسية. عندما نشاهد صور الدمار والفقدان، نستحضر معها كل الفقدان الذي عرفته شعوبنا. والتضامن مع الآخرين في محنتهم هو انعكاس لقيم جذورها عميقة في ديننا الإسلامي وثقافتنا العربية.
يقول الله تعالى في القرآن الكريم: “إنما المؤمنون إخوة” (سورة الحجرات، 10). هذا المبدأ لا يقتصر على الأخوة الدينية فحسب، بل يمتد إلى الأخوة الإنسانية الشاملة. الكارثة التي تضرب شعباً بعيداً تذكّرنا بهشاشتنا جميعاً كبشر، وبأهمية التعاطف المتبادل. عندما نرى قيادتنا تمد يد التعزية والمواساة، نشعر أننا نعيش في عالم لم يفقد بعد الخير والإنسانية.
الكوارث الطبيعية: تحدٍ عالمي يوحّدنا
الزلازل لا تفرّق بين غني وفقير، بين شرق وغرب، بين مسلم وغير مسلم. هي ظاهرة طبيعية عشوائية تذكرنا بقوة الطبيعة وقدرتها على تغيير الحياة في ثوان معدودة. في كولومبيا، كما في المغرب وكل دول العالم المعرضة للنشاط الزلزالي، تحتاج المجتمعات إلى جهود منسقة للوقاية والتأهب والإغاثة.
الاستجابة السريعة للكوارث تتطلب تعاوناً دولياً حقيقياً. التعازي والرسائل الرسمية هي الخطوة الأولى، لكن ما يتبعها من إجراءات عملية هو ما يغيّر الحياة. الدول المتقدمة والمنظمات الإنسانية العالمية تستجيب عادة بفرق البحث والإنقاذ، والمساعدات الطبية والغذائية، والدعم اللوجستي. هذا التعاون ينقذ أرواحاً ويعيد الأمل للمتضررين.
قيمة التعاطف في عالم يميل للتسلح والتنافس
في عصر تسيطر عليه المصالح الاقتصادية والتنافسات الجيوسياسية، من المحبّب أن نرى قيادة تذكّر العالم أن الإنسانية لا تزال حية. البرقية الملكية ليست جملة ملطّفة بلا قيمة، بل هي بيان قيم تجسدها الدولة المغربية: الاحترام، التعاطف، والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.
هذا الموقف يعكس أيضاً رؤية إستراتيجية. الدول التي تبني علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والمواساة تكسب نوايا حسنة وتقوّي جسور التعاون الدبلوماسي. عندما تمد كولومبيا يد العون في يوم من الأيام (وقد تضطر إلى ذلك)، ستتذكر أن المغرب كان بجانبها في أحلك ساعاتها.
ماذا يمكننا أن نفعل نحن؟
قد لا نملك السلطة السياسية لبعث برقية رسمية، لكن لدينا القدرة على المشاركة في التضامن. يمكننا تتبع الأخبار والتطورات في كولومبيا، دعم المنظمات الإنسانية الموثوقة التي تقدم الإغاثة، والأهم من ذلك: دعم بعضنا بعضاً هنا في بلادنا. كل مرة نشعر بتعاطف تجاه إنسان في محنة، سواء بعيد أو قريب، نزرع بذرة خير تنمو في المجتمع.
الخلاصة: الإنسانية تتجاوز الحدود
خبر برقية التعزية الملكية قد يبدو خبراً رسمياً عادياً، لكنه في الحقيقة تذكير جميل بأننا نعيش في عالم يمكن أن يكون أكثر تعاطفاً وإنسانية. الكوارث الطبيعية لا تعترف بالحدود، والتضامن الحقيقي هو الرد الحضاري على هذه الحقيقة المُرّة.
نتمنى للشعب الكولومبي أن يتجاوز هذه المحنة بأقل الخسائر، وأن يستعيد ما فقده تدريجياً. وننتقل جميعاً من هذا الحدث درساً: أن الإنسانية قوتنا الحقيقية، وأن التعاطف والمواساة ليست ترفاً بل ضرورة حضارية.
ما رأيك أنت؟ هل تشعر أن العالم بحاجة إلى المزيد من هذه التعابير الإنسانية؟ شارك رأيك معنا في التعليقات.







اترك تعليقاً