في لحظة ما من أمس القريب، قررت أنت أو صديقك مشاركة فيديو أو منشور على فيسبوك أو تيك توك. بدا الأمر بسيطاً وشخصياً تماماً — مجرد رأي تود نشره أو خبر لفت انتباهك. لكن ما لا تراه خلف الشاشة هو أن هذا القرار الفردي الصغير يخضع لآلية معقدة من البرامج التي تقرر من سيراه، كم مرة، وبأي أولويّة. وفي بعض الحالات، تتحول هذه الرسالة الواحدة إلى موجة جماعية قد تؤثر على آلاف الأشخاص.
هذا ليس تخيلاً أو مبالغة في تقدير قوة التكنولوجيا. إنها واقع درسته باحثة متخصصة، كما أفادت وسائل إخبارية محلية مغربية، حيث لاحظت كيف أن الخوارزميات الحاكمة لمنصات التواصل الاجتماعي الكبرى قادرة على تحويل قرارات منفردة إلى ظواهر جماعية واسعة النطاق. والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا: هل نحن مدركون فعلاً لهذه القوة التي تشكل آراءنا وسلوكنا؟
ما هي الخوارزميات وكيف تتحكم في رؤيتنا؟
الخوارزمية ببساطة هي مجموعة من الخطوات المنطقية التي يتّبعها الحاسوب لاتخاذ قرار أو تحقيق هدف معين. في حالة فيسبوك وتيك توك، هذه الخوارزميات مصممة لتحديد أي محتوى تراه أولاً، وأي منشور يحصل على انتشار أعرض، وأي رأي يصل إلى أكبر عدد من الأشخاص. المنصات تحلل سلوكك — ما تشاهده، ما تلايك له، ما تعليقاتك، حتى الوقت الذي تقضيه على كل منشور — وتستخدم هذه البيانات لتقرر ما يجب أن تراه لاحقاً.
المشكلة في هذا النظام أنه ليس محايداً. الخوارزميات مبرمجة للأساس بهدف واحد: الاحتفاظ بك على المنصة أطول وقت ممكن. وما الذي يجعلك تبقى على الشاشة؟ المحتوى الذي يثير مشاعرك — سواء كان غضباً أو فرحاً أو خوفاً أو حتى فضولاً. النتيجة أن المنصات تفضل نشر المحتوى الانفعالي والمثير على المحتوى الهادئ أو المتوازن. وهذا يعني أن رأيك الشخصي، إذا كان يحمل شحنة عاطفية قوية، سيصل إلى عدد أكبر من الناس بكثير من الآراء الأخرى.
التأثير على السلوك الجماعي: من الفرد إلى الموجة
عندما يصل محتوى معين إلى أعداد كبيرة من الناس بسرعة، يحدث شيء مهم جداً على الصعيد النفسي والاجتماعي. الناس يميلون إلى تصديق ما يرونه الكثيرون يفعلونه أو يؤمنون به — وهذا ما يسميه علماء النفس “التأثير الاجتماعي”. عندما ترى آلاف الأشخاص يشاركون في شيء ما أو يؤيدون فكرة معينة، فإن احتمالية أن تنضم أنت أيضاً تزداد بشكل كبير.
الخوارزميات تستغل هذه الطبيعة البشرية عن قصد أو بدون قصد. حين تقرر المنصة تعزيز محتوى معين، فإنها تضعه أمام أشخاص لديهم احتمالية عالية أن يتفاعلوا معه — سواء بالإعجاب أو التعليق أو المشاركة. هؤلاء الأشخاص يوسعون الانتشار، فيصل المحتوى إلى مجموعات أخرى، وهكذا يتسع النطاق بسرعة هندسية. ما بدأ كقرار فردي يصبح حركة جماعية بخطوات سريعة جداً.
الواقع المغربي والمسؤولية الرقمية
في السياق المغربي تحديداً، والعربي بصفة عامة، أصبح تأثير هذه الآليات أكثر ملموسية. المغاربة والعرب يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي بمعدلات عالية جداً، وكثيراً ما نرى قضايا وطنية حساسة تنتشر بسرعة خلال ساعات فقط، تحرك الشارع وتثير نقاشات واسعة. السؤال ليس هل هذا حدث، بل: هل نحن مدركون أن الخوارزميات لعبت دوراً في تضخيم هذا الانتشار؟
الباحثة التي أشارت إلى هذه الظاهرة تنبه إلى نقطة جوهرية: نحن لسنا مجرد مستهلكي محتوى سلبيين. نحن جزء من النظام. قراراتك في المشاركة والنشر والتعليق تغذي الخوارزميات وتعطيها معلومات تستخدمها لاحقاً. وهذا يعني أن لديك، في الواقع، مسؤولية في هذه العملية.
كيف نحمي أنفسنا من التأثير الأعمى للخوارزميات؟
أولاً، الوعي هو الخطوة الأولى. لا تفترض أن ما تراه على شاشتك هو انعكاس كامل للواقع. ما تراه هو انعكاس لما تريد المنصة أن ترى، بناء على ملفك الشخصي وسلوكك. ثانياً، خذ وقتك قبل أن تشارك أي محتوى. اسأل نفسك: هل قرأت هذا كاملاً؟ هل تحققت من مصدره؟ هل أنا أشاركه لأنني أصدقه فعلاً أم لأنه يثير مشاعري؟ هذا التوقف قبل الضغط على زر المشاركة قد يغير الفرق بشكل كبير.
ثالثاً، تنويع مصادرك. لا تعتمد على التطبيق الواحد أو الحساب الواحد. اقرأ من مصادر إخبارية موثوقة، تحدث مع أشخاص يختلفون معك في الرأي، ابحث بنفسك. رابعاً، افهم أن المنصات ليست محايدة، وهذا ليس خطأ تقنياً فقط — إنه تصميم متعمد. كلما فهمت هذا، كلما كنت قادراً على التحكم بتأثرك بهذه الآليات.
لماذا هذا يهمك أنت شخصياً؟
لأن قرارك، في النهاية، هو ملكك. لكن إذا كنت تتخذه تحت تأثير خوارزمية لم تختره وتفاصيلها لا تعرفها، فأنت لا تملك اختيارك كما تظن. نحن في عصر يجب فيه أن نكون ذكيين ليس فقط في القراءة والكتابة، بل في فهم كيفية عمل التكنولوجيا التي نستخدمها يومياً. هذا ليس خوفاً أو بارانويا — إنها حقيقة أن نتعلم التعايش معها بذكاء.
خاتمة: اختيارك الحقيقي
في النهاية، أنت لست ضحية مسلوب الإرادة. لديك القدرة على الاختيار، لكن يجب أن تملك المعلومة أولاً. عندما تفهم كيف تعمل الخوارزميات، ستتمكن من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطريقة أكثر وعياً وحرية حقيقية. قراراتك الفردية قد تصبح موجات جماعية — لكن بإرادتك أنت، وليس بإرادة برنامج بعيد عن نظرك.
هل أنت مدرك فعلاً لدور الخوارزميات في قراراتك اليومية؟ شاركنا رأيك — لكن توقف لحظة قبل أن تضغط على “مشاركة”، واسأل نفسك: لماذا أنا أفعل هذا؟







اترك تعليقاً