في أروقة المحاكم حول العالم، يلاحظ الكثيرون تغييراً تدريجياً في كيفية تطبيق القانون على الرجال والنساء. قد تجد نفسك تسمع من أصدقائك أو تقرأ على وسائل التواصل شكاوى من رجال يشعرون أن النظام القانوني لا يعاملهم بعدالة. هذا الشعور ليس وهماً عابراً، بل ظاهرة حقيقية تستحق أن نتوقف عندها لنفهم تفاصيلها بموضوعية وحياد.
السؤال الذي يطرح نفسه ليس حول نية ما للقضاء على الرجولة، بل حول كيفية تطور الأنظمة القانونية والاجتماعية بطرق قد تترك بعض الفئات—من بينها الرجال—في موقع ضعيف أمام القانون. فهم هذه الظاهرة يساعدنا على بناء مجتمع أكثر عدلاً للجميع.
التحول في معايير المسؤولية والمحاسبة
على مدار العقود الماضية، شهدنا تحولاً ملحوظاً في كيفية تعامل الأنظمة القانونية مع المسؤولية الفردية والجماعية. باتت معايير المحاسبة أكثر صرامة تجاه فئات معينة من السكان، وفي كثير من الأحيان تنسحب هذه المعايير بشكل أكبر على الرجال. في قضايا الطلاق والحضانة مثلاً، نجد أن القوانين في عديد من البلدان تفترض بشكل افتراضي أن الأم هي الخيار الأفضل للعناية بالأطفال، بينما على الأب أن يثبت جدارته. هذا الافتراض المسبق، رغم أنه قد ينبع من حسن نية، يضع الرجل في موقع يتعين عليه فيه العمل أكثر من أجل الحصول على حقوق متساوية.
وفي مجال العنف والتحرش، نجد أن الأنظمة القانونية اهتمت بشكل متزايد بحماية النساء—وهذا أمر إيجابي بلا شك—لكن هذا الاهتمام لم يترافق دائماً مع حماية متساوية للرجال الذين قد يكونون ضحايا للعنف أيضاً. الإحصائيات الدولية تشير إلى أن عدداً كبيراً من الرجال يتعرضون للعنف أو الإساءة، لكن القانون والمجتمع يتعاملان مع قضاياهم بأقل جدية وموارد.
القانون والتوقعات الاجتماعية: علاقة معقدة
لا يمكننا أن نفصل القانون عن السياق الاجتماعي الذي ينشأ فيه. على مدى سنوات، تطورت توقعات اجتماعية حول دور الرجل في الأسرة والمجتمع، وانعكست هذه التوقعات في النصوص القانونية. مثلاً، في قوانين المساعدة الاجتماعية والضمان الاجتماعي، غالباً ما يتم التعامل مع الرجل باعتباره المسؤول الأول والوحيد عن توفير الدخل للأسرة. هذا يعني أنه قد يفقد حقاً قانونياً في المساعدة الحكومية حتى لو كان في حاجة فعلية إليها، بينما قد تحصل المرأة على نفس المساعدة بسهولة أكبر.
في ساحات العمل، ظهرت قوانين جديدة تركز على الحماية من التحرش والتمييز ضد النساء—وهي قوانين ضرورية وحقة. لكن في كثير من الأحيان، لم تأتِ هذه القوانين مع حماية متوازية للرجال الذين قد يتعرضون لنفس الظروف. الرجل الذي يشتكي من معاملة غير عادلة في العمل قد لا يجد نفس الآليات القانونية المتاحة للمرأة.
الحضانة والالتزامات المالية: عدم التوازن
أحد أكثر المجالات التي تثير غضب الرجال هو قوانين الحضانة والمساعدة المالية. في كثير من دول العالم، بما فيها بعض الدول العربية والمغرب، يترتب على الرجل التزاماً مالياً ضخماً تجاه أطفاله وزوجته السابقة، حتى لو فقد وظيفته أو أصيب بمرض منعه عن العمل. من جهة أخرى، قد لا تكون هناك التزامات مالية متساوية على المرأة في بعض الحالات.
المشكلة لا تكمن في أن الرجل يجب ألا يساهم مالياً في رعاية أطفاله—هذا واجب أخلاقي ودين—بل في أن هذا الالتزام لا يأتي مع حقوق متساوية. الأب قد لا يحصل على حق زيارة منصف، أو قد يتم تصويره أمام المحكمة بصورة سلبية تؤثر على قراراتها، بينما تحظى الأم بافتراض براءة أو إيجابي قبل أن تثبت جدارتها.
الصحة النفسية والقانون: ثغرة حقيقية
هناك أيضاً مسألة متعلقة بالصحة النفسية والقانون. الرجل الذي يعاني من الاكتئاب أو القلق أو مشاكل نفسية قد لا يجد نفس الدعم القانوني والمؤسسي الذي تحظى به النساء. القوانين المتعلقة بالإجازات المرضية والدعم النفسي في مكان العمل غالباً ما تركز على احتياجات النساء، تاركة الرجل وحيداً مع تحديه.
لماذا يهمك هذا الخبر كقارئ مغربي
في المغرب والعالم العربي، هذه القضايا ليست نظرية بحتة. آلاف الرجال يعيشون يومياً في محاكمهم مع نظام قانوني قد لا يشعرهم بالعدالة. الأسرة المغربية التقليدية تعاني من ضغوط متزايدة بسبب هذا عدم التوازن. عندما يشعر الرجل أن النظام ضده، قد ينعكس ذلك على استقراره النفسي وعلى تماسك الأسرة ذاتها.
ما العمل إذاً؟
المسألة تحتاج إلى رؤية شاملة. لا نريد أن نعود للوراء في حقوق النساء—فهي حقوق مكتسبة وضرورية—لكننا بحاجة إلى نظام قانوني حقيقي عادل يعامل الجميع بنفس الموازين. هذا يعني إعادة النظر في قوانين الحضانة لتعطي الأب حقاً حقيقياً في الاقتراب من أطفاله، وإعادة النظر في الالتزامات المالية لتكون عادلة وقابلة للمراجعة حسب الظروف. كما يعني توفير آليات قانونية فعلية لحماية الرجل من العنف والتمييز في مكان العمل.
الخاتمة: نحو عدالة حقيقية
العالم لا يحارب الرجولة بالمعنى الحرفي، لكنه يحارب الرجل من خلال قوانين وسياسات قد لا تعطيه فرصة متساوية مع الآخرين. العدالة الحقيقية لا تعني اختيار فائز واحد على حساب الآخر، بل معاملة الجميع بحياد وإنصاف. دعونا نتحدث عن تجاربكم: هل شعرتم بعدم عدالة القانون تجاه الرجال من حولكم؟ شارك رأيك في التعليقات.







اترك تعليقاً