فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

الباب الثاني: البنوة والنسب

📖 الأهلية والنيابة الشرعية والبنوة والنسب — الفصل 3 من 3 — فهرس الكتاب

المحور الأول: البنوة الشرعية وغير الشرعية

إن الرابطة الموجودة بين الولد وأبويه إذا نظر إليها من جانب الابن سميت بنوة وإن نظر إليها من جانب الأب سميت أبوة و اذا نظر من زاوية الأم سميت أمومة، والشريعة الإسلامية قد صانت الأنساب من الضياع و الكذب والتزييف، وجعلت ثبوت النسب حقا للولد يدفع به عن نفسه المعرة والضياع، وحقا لأمه تدرأ به عن نفسها الفضيحة والاتهام بالفحشاء، وحقا للأب يحفظ به نسله أن يضيع أو ينسب إلى أحد غيره أو ينسب نسل غيره إليه، فالحق في النسب يعبر عن شخصية الإنسان وعن مكانته الاجتماعية وعن خصائصه وهو أسمى تمثيل رمزي لشخصيته.

البنوة لغة مشتقة من الابن، فهي لغة مصدر الابن، وفي الاصطلاح حسب المادة 142 هي تنسل الولد من أبويه معا، وبذلك فالبنوة هي نتيجة توالد طبيعي و اتصال جنسي بين رجل وامرأة فيكون الإبن في هذه الحالة ابنا طبيعيا لطرفي العلاقة الجنسية التي كانت سببا في وجوده، تضيف المادة 142 أن هذه البنوة هي إما شرعية أو غير شرعية.

ما يهمنا هنا هو البنوة، والمشرع المغربي حرص من خلال الترسانة القانونية المغربية على الشرف والبنوة والنسب من خلال القانون الجنائي الذي يعاقب على الفساد والاغتصاب وقذف المحصنات والإجهاض ثم القانون رقم 24.03 المتعلق بتعزيز الحماية الجنائية للطفل والمرأة، وإذا كان قانون الالتزامات والعقود هو الشريعة العامة للقانون الخاص فإن مدونة الأسرة تعتبر بمثابة الشريعة العامة المنظمة للنسب من خلال القانون 70.03 بمثابة مدونة الأسرة الذي دخل حيز التنفيذ في 3 فبراير 2004 والذي عني بتنظيم البنوة والنسب من خلال المواد من 142 إلى 162، على أن المشرع من خلال قانون رقم 99-37 بشأن الحالة المدنية الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2002 حرص على حالة الشخص من حيث ترسيم وتسجيل في سجلات الحالة المدنية لبعض الوقائع التي يمر بها ولد الفراش من ولادة ووفاة وزواج.

قال تعالى: ” وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ…” الأحزاب.

إن مصادقة المغرب على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل سنة 1993 حملته التزاما قانونيا بضرورة العمل على مراجعة مقتضيات قانون الأحوال الشخصية التي لا تتفق ومقتضيات هذه الاتفاقيات الدولية، فقد كان عليه إقرار كل الإجراءات والقواعد الكفيلة بتدعيم حقوق الطفل وحمايتها، من ذلك ما ورد في المادة 7 من ذات الاتفاقية على أنه : ” يسجل الطفل بعد ولادته فورا، ويكون له الحق منذ ولادته في اسم والحق في اكتساب جنسيته، ويكون له قدر الإمكان الحق في معرفة والديه وتلقي رعايتهما”، ومما يجب الإشارة إليه أن مدونة الأسرة جاءت بمستجدات مهمة فيما يخص النسب أولها إثبات النسب ونفيه بواسطة الخبرة الطبية وهو ما سمح للقضاء باعتماد الخبرة الجينية للحكم بالنسب أو نفيه، ثانيا نسبة الحمل الذي نتج خلال فترة الخطوبة إلى الخاطب للشبهة، بمعنى أن الخطوبة أصبحت لها آثار قوية بالنسبة للخاطب وفق المادة 156.

المحور الأول : البنوة الشرعية وغير الشرعية

المادة 142 : ” تتحقق البنوة بتنسل الولد من أبويه، وهي شرعية وغير شرعية.”

المادة 143 : ” تعتبر البنوة بالنسبة للأب والأم شرعية إلى أن يثبت العكس.”

البنوة الشرعية هي التي يعترف الشرع بها وبمختلف آثارها خلافا للبنوة غير الشرعية، والمشرع بين حالة البنوة بالنسبة للأب في المادة 144 التي نصت على أنه : ” تكون البنوة شرعية بالنسبة للأب في حالات قيام سبب من أسباب النسب وتنتج عنها جميع الآثار المترتبة على النسب شرعا.”

هكذا يكون هناك تلازم بين البنوة الشرعية والأسباب المثبتة للنسب الشرعي التي هي :

الفراش، ويثبت النسب بالفراش الصحيح، والفراش الفاسد والفراش الباطل في الحدود التي بينها القانون، جاء في المادة 58 : ” تصرح المحكمة ببطلان الزواج تطبيقا لأحكام المادة 57 أعلاه بمجرد اطلاعها عليه، أو بطلب ممن يعنيه الأمر. يترتب على هذا الزواج بعد البناء الصداق والاستبراء، كما يترتب عليه عند حسن النية لحوق النسب وحرمة المصاهرة.”

الإقرار، أي اعتراف المقر ببنوة المقر به، جاء في المادة 160 : ” يثبت النسب بإقرار الأب ببنوة المقر به ولو في مرض الموت، وفق الشروط الآتية….”.

الشهادة، أي شهادة عدلين أو أكثر أو لفيف بأن فلان هو ابن فلان.

الشبهة، المادة 156 تنسب للخاطب ما ولدت المخطوبة، على أن الشبهة في الشريعة الإسلامية تخالف هذا المفهوم فهي تعتبر الشبهة في حالة اتصال رجل بامرأة في الظلام دون أن يتعرف عليها معتقدا أنها زوجته أو كان سكرانا، لكن المشرع وحرصا على مصلحة المرأة اعتبر ما يحصل في الخطبة شبهة رغم أنه ليس بالضرورة أن يكون الحمل ناتجا عن اتصال الخاطب بالمخطوبة، فقد تكون للمخطوبة مغامرات غرامية خارج إطار الخطوبة فيتحمل نتاجها الخاطب.

جاء في المادة 158 : ” يثبت النسب بالفراش أو بإقرار الأب، أو بشهادة عدلين، أو ببينة السماع، وبكل الوسائل الأخرى المقررة شرعا بما في ذلك الخبرة القضائية. “

على أن البنوة الشرعية أصل، والبنوة غير الشرعية ليست أصلا، ومن البديهي أن إثبات عكس الأصل من الصعوبة بمكان بالنسبة للغير، حيث يحتاج إلى التمتع أولا بالصفة للإقامة الدعوى وهي غير متوفرة مبدئيا لغير الأب، جاء في المادة 143 : ” تعتبر البنوة بالنسبة للأب والأم شرعية إلى أن يثبت العكس.”

أثر البنوة الشرعية

جاء في المادة 157 : ” متى ثبت النسب ولو في زواج فاسد أو بشبهة أو بالاستلحاق، تترتب عليه جميع نتائج القرابة. فيمنع الزواج بالمصاهرة أو الرضاع، وتستحق به نفقة القرابة والإرث.”

فبالنسبة للنفقة فقد نصت المادة 197 على أنه : ” النفقة على الأقارب تجب على الأولاد للوالدين وعلى الأبوين لأولادهما طبقا لأحكام هذه المدونة.” أما بالنسبة للإرث فقد جعلت المادة 329 القرابة سببا للإرث إذ أن الولد يرث أباه بعد موته والأب يرث ابنه بعد موته ما لم يكن هناك سبب يمنع الإرث كاختلاف الدين أو في حالة القتل العمد.

أثر البنوة غير الشرعية

هنا نميز بين أبوة الأب وأمومة الأم.

بالنسبة للأب

إذا لم يتوفر الأب على سبب شرعي كالفراش أو الإقرار أو الشبهة مما يجعل البنوة شرعية بالنسبة إليه كانت هذه البنوة غير شرعية، بمعنى أنها مجرد علاقة بيولوجية لا يعترف بها الشرع ولا يرتب عليها بالنسبة للأب أي أثر شرعي، وهو ما سارت عليه المادة 148 بقولها : ” لا يترتب على البنوة غير الشرعية بالنسبة للأب أي أثر من آثار البنوة الشرعية.” وقد تحدثنا عن آثار البنوة الشرعية سابقا وقلنا أن من بينها النفقة والإرث.

وعليه فإن ابن الزنى لا يصح الإقرار ببنوته وإنما يستلحق الابن المجهول النسب، لأن ابن الزنى قطع المشرع نسبه ، ويبقى له فقط الاعتماد على الفصلين 77 و 78 من ق ل ع من أجل المطالبة بالتعويض عن الضرر لأنه تسبب في ولادته بطريق غير شرعي.

بالنسبة للأم

سواء كانت العلاقة شرعية أو غير شرعية بين الأب والأم فإن البنوة ترتب كافة آثارها بالنسبة إلى الأم، فقد جاء في المادة 146 : ” تستوي البنوة للأم في الآثار التي تترتب عليها سواء كانت ناتجة عن علاقة شرعية أو غير شرعية.” تضيف المادة 147 : ” …. تعتبر بنوة الأمومة شرعية في حالة الزوجية والشبهة والاغتصاب. “

هكذا تترتب على بنوة الأم جميع النتائج التي ترتبها القرابة حيث تمنع الزواج بالمصاهرة والرضاع وتستحق بها النفقة والارث.

النزاع حول أمومة الأم ووسائل إثباتها

جاء في المادة 147 : ” تثبت البنوة بالنسبة للأم عن طريق: – واقعة الولادة؛ – إقرار الأم طبقا لنفس الشروط المنصوص عليها في المادة 160 بعده؛ – صدور حكم قضائي بها. تعتبر بنوة الأمومة شرعية في حالة الزوجية والشبهة والاغتصاب.”

الفراش، فإذا كانت الأم متزوجة فهي تستفيد من قرينة الفراش الذي يربطها بزوجها متى تحققت شروطه الشرعية الكاملة، والفراش قرينة قاطعة على ثبوت النسب لا يمكن الطعن فيها إلا من الزوج نفسه عن طريق دعوى اللعان أو بواسطة الخبرة الطبية، أما إذا كانت تنازع المرأة الأمومة من جانب الغير غير متزوجة فلها أن تثبت تلك الأمومة بالوسائل التي أتاحتها المادة 147 من إقرار أو حكم قضائي أو بشهادة الشهود أو بخبرة طبية.

الإقرار، طبقا لمقتضيات المادة 160 المتعلقة بإقرار الأب، لكن إقرار الأم يبقى من الناحية الشرعية حجة قاصرة على المقر وحده يمكن تعطيلها بكل سهولة بحجة أقوى منها كشهادة الشهود وهي حجة متعدية إلى الغير خلافا للإقرار.

شهادة الشهود، ونظرا لأن الولادة لا يطلع عليها غير النساء يسم هنا بشهادة امرأتين، ومن الناحية القانونية يمكن الاعتماد على شهادة المولدات والأطباء.

الخبرة الطبية، طبقا للمادة 158 التي جاء فيها : ” يثبت النسب بالفراش أو بإقرار الأب، أو بشهادة عدلين، أو ببينة السماع، وبكل الوسائل الأخرى المقررة شرعا بما في ذلك الخبرة القضائية. ” ويمكن هنا للمحكمة أن تلجأ إلى الخبرة الطبية تلقائيا طبقا للفصل 59 من المسطرة المدنية التي جاء فيها : ” إذا أمر القاضي بإجراء خبرة، عين الخبير الذي يقوم بهذه المهام تلقائيا أو باقتراح الأطراف واتفاقاتهم…”

صدور حكم قضائي بالأمومة، الذي يعتبر فاصلا في النزاع حول الأمومة لصالح الأم، فهو حكم كاشف وليس منشئ، أي أنه حكم يرتب آثاره في مواجهة الكافة وبأثر رجعي، ومن الملاحظ أن المشرع عندما أشار إلى وسائل إثبات الأمومة في المادة 147 وهي وسائل على سبيل المثال لا الحصر، على أن المشرع أشار إلى حالات البنوة الشرعية وسكت عن حالات البنوة غير الشرعية كالزنا أو الزواج الباطل الذي يكون فيه الزوج سيء النية أي عالما ببطلان الزواج.

بطلان البنوة الناتجة عن التبني

التبني نظام منتشر في المجتمع لكنه محرم شرعا وقانونا، والتبني هو استلحاق شخص ولد معروف النسب أو لقيط أو ابن زنا والتصريح باتخاذه ولدا مع أنه لا تربطه بالمتبني أية علاقة بنوة حقيقية، وقد كان العرب يجعلون الولد المتبنى بمثابة الابن الحقيقي يأخذ كل أحكام البنوة من نفقة وإرث وتحريم زوجته على متبنيه، ثم جاء القرآن الكريم ليحرم التبني تحريما قاطعا وبين بأنه مجرد ادعاء لا أساس له من الصحة، قال تعالى في سورة الأحزاب : ” وما جعل أدعياءكم أبناءكم، ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ادعوهم لأبائهم هو أقسط عند الله…”، إذن فالتبني مجرد قول لا يتحول به المتبنى إلى ولد حقيقي لأنه من صلب رجل آخر.

جاء في المادة 149 : ” يعتبر التبني باطلا، ولا ينتج عنه أي أثر من آثار البنوة الشرعية. تبني الجزاء أو التنزيل منزلة الولد لا يثبت به النسب وتجري عليه أحكام الوصية.”

من سلبيات التبني بالمعنى الذي يعنيه استلحاق الولد بالنسب أن يعيش أجنبي مع نساء محرمات عليه ويطلع منهن على ما حرم الله عليه الاطلاع عليه، ومنه أنه نفقته على المتبني ويشارك الأقارب الميراث فيحرمهم من بعض ما يستحقونه، ويستعمل أحيانا عمدا لحرمان البعض من الميراث كما أنه يشتت الأسرة، على أن الإسلام عندما حرم التبني لم يحرم الإحسان إلى الأولاد المشردين وإيوائهم والنفقة عليهم وتربيتهم والرحمة بهم ولكن دون إلحاقهم بالنسب، على أن المشرع التونسي خرج عن هذه القاعدة وأقر للمتبنى بجميع حقوق الابن الشرعي.

نفس ما قيل في التبني يقال على التنزيل منزلة الولد، فالفقرة الثانية من المادة 149 تشير إلى أن تبني الجزاء أو التنزيل منزلة الولد لا يثبت به النسب وتجري عليه أحكام الوصية، وعليه يمكن القول بأن التنزيل يخضع لأحكام الوصية.

المحور الثاني: وسائل إثبات النسب

المحور الثاني : وسائل إثبات النسب

المادة 152 : ” أسباب لحوق النسب: 1 – الفراش؛ 2 – الإقرار؛ 3 – الشبهة.”

المادة 158 : ” يثبت النسب بالفراش أو بإقرار الأب، أو بشهادة عدلين، أو ببينة السماع، وبكل الوسائل الأخرى المقررة شرعا بما في ذلك الخبرة القضائية.”

وبالتوفيق بين المادتين يمكن القول بأن النسب يثبت بالفراش وبالإقرار وبالشبهة وبالشهادة وبالخبرة الطبية.

أولا : الفراش

يقصد بالفراش لغة ما يبسط عادة للنوم عليه، ويقصد به أيضا النساء لقوله تعالى : ” وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين..”، وفي الاصطلاح يقصد بالفراش العلاقة الزوجية القائمة بين الرجل والمرأة، كون المرأة خلقها الله للولادة ولا يكون ذلك إلا في إطار الزواج الشرعي أو ما ألحقه الشرع استثناء به كالزواج الفاسد والاتصال الجنسي عن طريق الشبهة.

وعليه فمتى ولدت المرأة بعد زواجها نسب الولد إلى زوجها للفراش، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : ” الولد للفراش”، والسبب في ثبوت النسب بالفراش دون إقرار أو بينة هو أن الزواج الصحيح يبيح الاتصال الجنسي ويجعل الزوجة مختصة بزوجها يستمتع بها وحده، لا يشاركه في نكاحها رجل آخر، فإذا جاءت بالولد نسب إلى زوجها للفراش حتى يثبت العكس.

شروط الفراش المثبت للنسب

عقد زواج صحيح، فلا فراش بدون عقد زواج صحيح مستجمع كافة أركانه وشروط صحته، مرتب لكافة آثاره.

انصرام مدة الحمل، وأدنى مدة للحمل 6 أشهر، وأقصاها حسب المالكية 4 سنوات.

إمكانية ولادة الزوجة من زوجها، أي إمكانية الاتصال الجنسي بين الزوجين وإمكانية الإنجاب.

نشير هنا إلى أن الفراش متى تحققت شروطه القانونية وثبت به النسب لا يمكن للأم أن تطعن فيه ولا يستجاب هنا لطلب الخبرة لما في ذلك من اعتداء على حق الولد في النسب.

ثانيا : الإقرار

أو الاستلحاق، والإقرار لغة هو الإذعان للحق والاعتراف به، واصطلاحا هو إخبار الإنسان بحق عليه لآخر، وقد نظم المشرع المغربي الإقرار في المواد 160-161-162، كما أن هناك إقرارا غير مباشر.

شروط الإقرار المباشر بالنسب

إقرار شخص بأنه أب لولد معين هو إقرار بالنسب، والإقرار تصرف قانوني بإرادة منفردة له شروط حددتها المادة 160 : ” يثبت النسب بإقرار الأب ببنوة المقر به ولو في مرض الموت، وفق الشروط الآتية:

1 – أن يكون الأب المقر عاقلا؛

2 – ألا يكون الولد المقر به معلوم النسب؛

3 – أن لا يكذب المستلحق – بكسر الحاء – عقل أو عادة؛

4 – أن يوافق المستلحق – بفتح الحاء – إذا كان راشدا حين الاستلحاق. وإذا استلحق قبل أن يبلغ سن الرشد، فله الحق في أن يرفع دعوى نفي النسب عند بلوغه سن الرشد.

إذا عين المستلحق الأم، أمكنها الاعتراض بنفي الولد عنها، أو الإدلاء بما يثبت عدم صحة الاستلحاق.

لكل من له المصلحة، أن يطعن في صحة توفر شروط الاستلحاق المذكورة، مادام المستلحق حيا.”

أن يكون أبا ، ولذلك لا يصح الاستلحاق من الأم، فاستلحاق الولد من خصائص الأب، على أن المشرع خرج عن الفقه المالكي عندما اعترف للأم بالإقرار في المادة 147.

أن يكون المقر عاقلا، أي كامل الأهلية لممارسة التصرفات القانونية، ووفق المادة 209 تكتمل الأهلية في 18 سنة شمسية كاملة، لكن يصح الإقرار من السفيه لأن السفه له علاقة بالتصرفات المالية فقط.

يجب ألا يكون الولد المقر به معلوم النسب، فالإقرار بالبنوة لا يكون إلا لمجهول النسب وليس لمعلومه، فإذا كان الولد مجهول النسب وكان نتيجة زنى فيجب ألا يصرح المقر بأن الولد المراد استلحاقه كان ثمرة زنى، فالزنا جريمة والجريمة لا أثر لها في النسب، فللعاهر الحجر كما جاء في الحديث، وقد أقر الفقهاء أنه لا يجتمع حد ونسب، الحد هو الرجم أو الجلد، ولذلك كان على المقر أن لا يذكر في إقراره سبب البنوة هل هو زواج أو زنا، فيكفي الإقرار بالبنوة، والأصل هو حمل الناس على الصلاح دائما، فيعتقد الجميع أن الولد كان من علاقة زواج في زمن ما.

يجب أن لا يكذب المستلحق عقل أو عادة، فيجب أن يحترم عقول الناس، فلا يعتقل أن يكون الفرق بين الأب والولد سنوات قليلة، فالعقل يرفض هذا الاقرار.

يجب أن يصدق المقر له المقر في إقراره إذا كان راشدا، فالإقرار حجة على المقر لا تتعدى غيره إلا بتصديق من المعني بالامر أو ببينة، غير أنه إذا كان المقر له صغيرا أو غير ذي أهلية يثبت الاقرار دون تصديق لأن المقر له ليس أهلا للتصديق.

تعيين الأم من جانب المستلحق يعطيها الحق في الاعتراض بنفي أمومة الولد عنها، لأنها أصبحت معنية فالمرأة المعينة من المستلحق هي الأعلم بحقيقة أمومتها وبالتالي لا يمكن فرض الامومة عليها، ويمكن اللجوء في هذه الحالة إلى التحليل الجيني.

لكل ذي مصلحة أن يطعن في صحة توفر شروط الاقرار، لا يصح نفي النسب الا من طرف الزوج بواسطة حكم قضائي، ومتى اقر الرجل ببنوة الولد لا يجوز له أن يتراجع عن إقراره، لكن قد تكون للورثة مصلحة مالية في نفي النسب كي لا يزاحمهم الولد في الارث، ورغم استبعاد المستلحق من الميراث فإن ذلك لا ينفي عنه النسب إذ النفي من اختصاص الاب فقط.

إثبات الإقرار بالنسب

المادة 162 : ” يثبت الإقرار بإشهاد رسمي أو بخط يد المقر الذي لا يشك فيه.”

يثبت الاقرار بالنسب بطريقين، الأول هو الاشهاد الرسمي والثاني هو بخط اليد الذي لا يشك فيه.

الاشهاد الرسمي : من طرف عدلين منتصبين للإشهاد وتوثيقه ثم بعد ذلك المخاطبة عليه من طرف قاضي التوثيق حتى يكتسب صفة الرسمية طبقا للمادة 35 من قانون 16.03 المتعلق بخطة العدالة الصادر في 2006، كما يمكن اعتبار الاشهاد رسميا إذا ورد في حيثيات حكم قضائي وطني أو أجنبي حسب الفصل 418 من ق ل ع الذي جاء فيه : ” الورقة الرسمية هي التي يتلقاها الموظفون العموميون الذين لهم صلاحية التوثيق في مكان تحرير العقد، وذلك في الشكل الذي يحدده القانون. وتكون رسمية أيضا: 1 – الأوراق المخاطب عليها من القضاة في محاكمهم؛ 2 – الأحكام الصادرة من المحاكم المغربية والأجنبية، بمعنى أن هذه الأحكام يمكنها حتى قبل صيرورتها واجبة التنفيذ أن تكون حجة على الوقائع التي تثبتها”.

خط يد المقر الذي لا يشك فيه : فقد يمتنع على المقر التوجه إلى العدلين كأن يكون في حالة احتضار فتعتريه حالة ندم فيصح أن يكتب الإقرار بالنسب بخط يده، فنكون هنا أمام ورقة عرفية تكتب بخط اليد ولا تصح مطلقا كتابته بيد الغير ورغم سكوت المشرع إلا أنه يجب التوقيع عليها لأن التوقيع هو المعبر عن الارادة مع التأريخ لتجنب النزاعات حول تاريخ الإقرار، وطبيعي أن يتم التساهل في إثبات النسب حفاظا على مصالح الولد، وعليه فقد نصت المادة 162 على أن النسب يثبت بالظن، فالمشرع يرجو لحوق الانساب.

استنتاج الاقرار من ظروف الحال، المادة 162 لم تشر إلى هذه لحالة إلا أن محكمة النقض تعتبر سكوت الذي يعلم بحمل زوجته ولا يبادر إلا نفي ذلك في الحال بمثابة إقرار يستفاد من ظروف الحال، فقد جاء في قرار للمجلس الاعلى بتاريخ 21 دجنبر 1999 : ” …ولم يقم بأي إجراء لنفي النسب …. ثم إن الطاعن لم يدع في مقاله الاستئنافي عدم الاتصال وإنما يدعي العقم وذلك ما لا يقبل منه ما دام قد علم بالحمل ولم يتبع المسطرة الشرعية لنفي النسب، ومن أجله فإن تطبيق المحكمة قاعدة الولد للفراش يعتبر تطبيقا صحيحا..”.

هكذا فمتى ثبت الاقرار أنتج نفس آثار النسب الثابت شرعا من ارث ونفقة و امتناع الزواج بالمصاهرة أو الرضاع، بمعنى أن الآثار لا تتوقف عند مدونة الاسرة بل تتعداها إلى قانون الحالة المدنية وقانون الجنسية.

إشارة أخيرة بهذا الصدد هو أن الاقرار في مرض الموت لا يبطل الاقرار تغليبا لمصلحة الولد ، بينما قد يبطل بعض التصرفات المالية حيث جاء في الفصل 344 من ق ل ع : ” الإبراء الحاصل من المريض في مرض موته لأحد ورثته من كل أو بعض ما هو مستحق عليه لا يصح إلا إذا أقره باقي الورثة.”

إقرار الأم بالنسب

جاء في المادة 147 : ” تثبت البنوة بالنسبة للأم عن طريق: – واقعة الولادة؛ – إقرار الأم طبقا لنفس الشروط المنصوص عليها في المادة 160 بعده؛ – صدور حكم قضائي بها. تعتبر بنوة الأمومة شرعية في حالة الزوجية والشبهة والاغتصاب. “

وعليه فإن شروط إقرار الأم بالبنوة ولو في مرض الموت يتوقف على :

إثبات واقعة الولادة، وهي واقعة مادية تثبت بكافة الوسائل المتاحة وفي مقدمتها شهادة الولادة والمسألة يمكن أن تحسم حاليا بواسطة الاثبات عن طريق البصمة الوراثية.

أن تكون الأم مقرة عاقلة

ألا يكون الولد المقر به معلوم النسب من أم أخرى

ألا يكذب المستلحقة عقل أو عادة

أن يوافق المستلحَق

أما إذا عينت المستلحقة الأب أمكنه الاعتراض بنفي الولد أو الادلاء بما يثبت عدم صحة الاستلحاق، كما أن لكل ذي مصلحة أن يطعن في صحة توافر شروط الاستلحاق ما دامت المستلحقة حية.

وخلافا لإقرار الأب بالنسب فإن إقرار الأم بالنسب يقتضي صدور حكم من المحكمة يقضي بصحته .

الإقرار بما فيه تحميل النسب على الغير

وهو إقرار غير مباشر، كأن يقول الرجل هذا أخي، فيجعله ابنا لأبيه وأخا له، هذا الإقرار حسب مدونة الاسرة لا يثبت به النسب، جاء في المادة 161 : ” لا يثبت النسب بإقرار غير الأب”. وعليه فلا يمكن لشخص أن ينسب شخصا لآخر بإقراره إلا إذا اقترن بتصديق المستلحق، أو إذا أقره جميع الورثة باعتبارهم شهودا.

ثالثا : إثبات النسب بشهادة عدلين

جاء في المادة 158 : ” يثبت النسب بالفراش أو بإقرار الأب، أو بشهادة عدلين، أو ببينة السماع، وبكل الوسائل الأخرى المقررة شرعا بما في ذلك الخبرة القضائية. “

الشهادة هي إخبار الانسان بحق لغيره على غيره، وهي بهذا المفهوم تخالف الاقرار الذي هو إخبار الشخص بخق لغيره على نفسه، والمشرع المغربي نظم أحكام الشهادة في قانون الالتزامات والعقود في الفصول ما بين 443 و 448، وفي قانون المسطرة المدنية في الفصول ما بين 74 و 84، أما الشهادة بخصوص إثبات النسب فمرجعه الفقه المالكي وفق المادة 400.

وحس الفقه المالكي فإن شهادة الشهود في ميدان إثبات النسب أقوى من الاقرار، فمتى تعارض الاقرار مع الشهادة رجحت الشهادة، وعلى ذلك فلو أن كان هناك ولد ليس له نسب فأخذه رجل وادعى نسبه وتوفرت شروط الاقرار ثم جاء رجل آخر بالشهود كان أحق بالولد وإن ثبت بالظاهر النسب بالإقرار إلا أنه غير مؤكد فاحتمل البطلان بالبينة الشرعية لأنها أقوى منه. المشرع المغربي لم ينظم الشهادة لكنه اعتبرها حجة كافية لاثبات النسب، وعليه فتنظيم الشهادة في ميدان النسب يرجع فيه إلى أحكام الفقه المالكي وفق المادة 400 التي تحيلنا على ذلك، والقاعدة كما قلنا أن النسب يثبت بالشهادة في الفقه المالكي وهي شهادة رجلان أو رجل وامرأتين، على أنه في حالة النسب وهي حالة خاصة في الشهادة تثبت بشهادة امرأتين على أساس أن الولادة لا يطلع عليها الرجال، والقضاء المغربي يعزز الشهادة بالتحليل الجيني.

رابعا : إثبات النسب بشهادة السماع

شهادة السماع تعني فقها إخبار الشاهد أمام القضاء أنه سمع فاشيا يحكي أن واقعة ما وقعت، وفي ميدان النسب تعني أن شخصا سمع أن فلانا ابن فلان، وشهادة السماع كافية فقها لاثبات النسب، لكن بشروط :

الاستفاضة : وتعني أن يكون من نقلت عنه الشهادة غير عين ولا محصور العدد، أي كثرة الخبر وانتشاره حتى يحصل العلم به ويرتفع الشك عنه ولا تشترط هنا عدالة الناقلين ولا عدالة المنقول عنهم.

السلامة من الريبة : وهو الاحتراز من غلط الشاهد أو كذبه أو سهوه.

أداء اليمين تكملة لشهادة السماع.

طول الزمن : في جميع أفراد شهادة السماع إلا في ضرر الزوجين.

ألا يسمي الشهود المسموع منهم.

على أن ما جرى به العمل في ميدان الشهادة أو بينة السماع هو الاستعانة بالاثبات عن طريق اللفيف، وهي أن يأتي الرجل باثني عشر رجلا ويكتب شهادتهم ويضع أسماءهم عقب تاريخه ثم يضع عدلان إمضاءهما في أسفل الرسم، لكن يشترط أن :

يكون الشهود مم تتوسم فيهم المروءة

من أخير الناس وعلى الاقل غير مجرحين

لا يقبل اللفيف إلا لضرورة في البد الذي لا يوجد فيه عدلان

عدم وجود قرابة مع المشهود له

عدم وجود عداوة مع المشهود له أو المشهود ضده

فكلما اجتمعت هذه الشروط في اللفيف فهي تزكية وتقبل في اثبات النسب عموما وفق المذهب المالكي في المغرب والاندلس، لكن في حال تعارضها مع شهادة العدول ترجح كفة شهادة العدول، وفي هذا الصدد جاء في أحد قرارات المجلس الاعلى : ” إن ما شهد به العدول مقدم على ما شهد به اللفيف..” 23 يونيو 1983.

المحور الثالث: وسائل نفي النسب

المحور الثالث : وسائل نفي النسب

المادة 158 : “يثبت النسب بالفراش أو بإقرار الأب، أو بشهادة عدلين، أو ببينة السماع، وبكل الوسائل الأخرى المقررة شرعا بما في ذلك الخبرة القضائية.”

حدد المشرع المغربي وسائل اثبات النسب في المادة 158 وبالرجوع إلى الفقه المالكي يتضح أن نفي النسب يتم باللعان وحده وقد أضاف المشرع الخبرة بموجب المادة 158 عندما قالت وبكل الوسائل الاخرى المقررة شرعا بما في ذلك الخبرة القضائية، ومن البديهي أن يتوسع المشرع في وسائل اثبات النسب حفاظا على أعراض النساء ونفسية الاطفال ومراكزهم القانونية، على أن اثبات النسب إذا كان لا يحتاج عادة إلى حكم قضائي فإن نفيه لا يمكن أن يتقرر إلا بناء على حكم قضائي نهائي تصدره محكمة مختصة وهو ما نصت عليه المادة 159 بقولها : ” لا ينتفي نسب الولد عن الزوج أو حمل الزوجة منه إلا بحكم قضائي، طبقا للمادة 153 أعلاه.” المادة 153 جاء فيها : ” يثبت الفراش بما تثبت به الزوجية. يعتبر الفراش بشروطه حجة قاطعة على ثبوت النسب، لا يمكن الطعن فيه إلا من الزوج عن طريق اللعان، أو بواسطة خبرة تفيد القطع، بشرطين: – إدلاء الزوج المعني بدلائل قوية على ادعائه؛ – صدور أمر قضائي بهذه الخبرة. “

على أن القضاء لا يحكم بنفي النسب بسهولة تماشيا مع المادة 151 : ” يثبت النسب بالظن ولا ينتفي إلا بحكم قضائي.”

ولعل القضاء المغربي عندما يتساهل في تعامله مع وسائل اثبات النسب وتشدده مع وسائل نفي النسب فإنه يتماشى مع الفقه المالكي التي يعتبر أن المثبت مقدم على النافي، وعليه فلو أن إراثة نصت على أن خلف الهالك 5 أبناء وإراثة ثانية نصت على أنه خلفه 4 أبناء فإن الاراثة الاولى مقدمة على الثانية، فالفقه المالكي يعتبر أن شهود الاثبات مرجحين على شهود النفي، قال الفقيه المهدي الوزاني رحمه الله : ” شهادة من أثبت شيئا أولى بالقبول من شهادة من نفاه” وعليه سار الفقيه التسولي بقوله : ” المثبت أولى من النافي” ، كما أن النسب متى ثبت بأحد الطرق الشرعية امتنع نفيه بعد ذلك، قال الفقيه التسولي : ” إن نفي الأب نسب ولده من بعد ثبوته بما يثبت به شرعا غير عامل ولو صدقته الزوجة…”.

أولا : نفي النسب عن طريق اثبات اختلال شروط الفراش

شروط الفراش ثلاثة، عقد زواج صحيح، مدة الحمل الشرعية، تمكن الزوج من الاتصال بزوجته والانجاب منها.

عدم وجود عقد زواج صحيح

الزواج هو مناط الفراش، يدور معه وجودا وعدما، حتى صار عقد الزواج مرادفا للفراش لدى جانب من الفقه، فالزنى جريمة والنسب نعمة، والجريمة لا ترتب نعمة، فمن حيث المبدأ فالمرأة التي تدعي أو ولدها ينسب إلى رجل ما، عليها أن تثبت زواجها من هذا الرجل إضافة إلى الشرطين الاخرين وهما المدة الكافية وإمكانية الاتصال والانجاب.

وعليه يمكن للرجل أن ينفي النسب عنه كلما استطاع إثبات عدم وجود رابطة الزوجية أثناء الحمل أو عدم كفاية المدة أو عدم إمكانية الاتصال أو الانجاب، هذا الاثبات ليس حكرا على الرجل والمرأة بل هو حق ثابت لكل ذي مصلحة في نفي الحمل خصوصا الورثة لاستبعاد الولد من الارث كما يثبت هذا الحق للنيابة العامة و فق المادة3 من المدونة.

وفي الحياة العملية وقبل مدونة الاسرة كان يقع أن تحمل الخطيبة من خطيبها فيسارعان إلى ابرام عقد الزواج لكن ضابط الحالة المدنية يرفض تسجيل الولد في كناش الحالة المدنية لعدم التناسق بين تاريخ الزواج وتاريخ الولادة، فيلجآن إلى القضاء الذي يرفض بدوره تسجيل الولد، لكن المشرع المغربي في المادة 156 من مدونة الاسرة وضع حلا لهذا الاشكال عندما نص على أنه : ” إذا تمت الخطوبة، وحصل الإيجاب والقبول وحالت ظروف قاهرة دون توثيق عقد الزواج وظهر حمل بالمخطوبة، ينسب للخاطب للشبهة إذا توافرت الشروط التالية:

أ ) إذا اشتهرت الخطبة بين أسرتيهما، ووافق ولي الزوجة عليها عند الاقتضاء؛

ب ) إذا تبين أن المخطوبة حملت أثناء الخطبة؛

ج ) إذا أقر الخطيبان أن الحمل منهما.

تتم معاينة هذه الشروط بمقرر قضائي غير قابل للطعن.

إذا أنكر الخاطب أن يكون ذلك الحمل منه، أمكن اللجوء إلى جميع الوسائل الشرعية في إثبات النسب.”

بالاضافة إلى المادة 156 من الممكن إيجاد حل في إطار القواعد العامة بالاستلحاق.

أن تأتي الزوجة بالولد في أقل من 6 أشهر من تاريخ إبرام عقد الزواج

أجمع الفقهاء على أن أقل مدة للحمل هي 6 أشهر، و هو الامر الذي سارت معه المادة 154 بقولها : ” يثبت نسب الولد بفراش الزوجية: 1 – إذا ولد لستة أشهر من تاريخ العقد وأمكن الاتصال، سواء أكان العقد صحيحا أم فاسدا؛ 2 – إذا ولد خلال سنة من تاريخ الفراق. ” ، والملاحظ أن المشرع أشار إلى مدة 6 أشهر من تاريخ إبرام العقد وليس من تاريخ الدخول، تاكيدا لتشوف المشرع إلى لحوق الانساب.

أن تأتي الزوجة بالولد بعد سنة من تاريخ انتهاء الزواج

أقصى مدة للحمل حسب المادة 154 هي سنة واحدة، وعليه فمتى فارق الزوج زوجته لكونه قد طلقها أو توفي عنها ثم أتت بالولد بعد مرور أكثر من سنة تحسب من وقت الفراق فإن النسب لا يثبت في جانب الزوج، ومع ذلك وحسب مقتضيات المادة 134 فإذا انقضت مدة السنة وبقيت الريبة في الحمل وحصلت منازعة، تستعين المحكمة بالخبرة الطبية من أجل التوصل إلى الحكم الذي يفضي إلى القضاء بانتهاء العدة أو إلى امتدادها إلى أجل آخر يراه الاطباء ضروريا بعد الوقوف على ما في البطن وهل هو علة أم حمل، وعليه فالمادة 134 تفرغ المادة 154 من محتواها.

عدم إمكانية حمل الزوجة من الزوج

عقد الزواج قرينة قاطعة على أن الولد لصاحب الفراش لا يمكن إثبات عكسها وفق المادة 153، غير أنه يمكن للزوج هدم هذه القرينة إذا استطاع إثبات أن شروط الولد للفراش لم تتحقق كلها، وعليه يمكن نفي النسب من طرف الزوج إذا استطاع اثبات أنه غير مؤهل للانجاب لمرض أو عيب، أو إذا كان بعيدا عن زوجته كالمسافر أو المسجون.

ثانيا : نفي النسب بواسطة اللعان

هو نظام إسلامي خالص، قال الفقيه ابن عرفة :” حلف الزوج على زنا زوجته أو نفي حملها وحلفها على تكذيبه إن أوجب نكولها حدها بحكم خاص..”، وقد أشار المشرع المغربي إلى اللعان في المادة 153 واعتبره سببا من أسباب نفي النسب، لكنه لم يبين أحكامه ومسطرته وبذلك نرجع إلى أحكام الفقه المالكي وفق المادة 400.

قال تعالى : ” وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ” سورة النور.

صور اللعان

أن يدعي الزوج أنه رأى زوجته تزني

أن نفي حملها عنه

قال ابن عاصم : ” وإنما للزوجين أن يلتعنا // لنفي حمل أو لرؤية الزنا “.

مسطرة اللعان

لا يتم اللعان إلا بواسطة دعوى ترفع أمام قسم قضاء الاسرة التابع للمحكمة الابتدائية، وتخضع هذه الدعوى لقواعد المسطرة المدنية، وعلى المحكمة أن تستدعي الزوجين وتطبق أحكام آية اللعان وصورتها أن يحلف الزوج أربع مرات أنه صادق والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان كاذبا، وإذا أصرت الزوجة على تكذيبه تحلف أربع مرات بأنه كاذب والخامسة أن غضب الله عليها إن كان صادقا.

آثار اللعان

التفريق بين الرجل وزوجته تفريقا مؤبدا، مثقالا للحديث الشريف : ” المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا”.

سقوط الحد، قال ابن رشد الحفيد ” اللعان إنما شرع لدرء الحد”.

سقوط النسب من جهة الأب، مع عدم اعتبار الولد ابن زنا من جهة أخرى.

النكول عن اللعان

قال ابن عاصم الغرناطي : ” ويسجن القاذف حتى يلتعن // وإن أبى فالحد حكم يقترن “.

فمتى رفض الزوج المتهم لزوجته بالزنا أو للنسب تأدية الأيمان الخمسة يحبس مدة فإن امتنع يطبق عليه حد القذف ثمانين جلدة وتبقى الزوجة في عصمته ويلحق به الولد، أما إذا نكلت الزوجة عن أداء أيمان اللعان يطبق عليها حد الزنا، أما في حالة الاغتصاب فلا لعان على الزوجة بل على الزوج وحده.

ثالثا : نفي النسب بواسطة الشهادة الطبية

قبل سنوات أظهرت الابحاث العلمية أن فحص فصيلة دم الزوج والزوجة يدل على فصيلة دم الولد التي يجب أن تكون بالضرورة هي فصيلة معينة، لكن هذا الأمر يفيد النفي القاطع في حالة لم تكن فصيلة الولد هي الفصيلة المطلوبة لكنه لا يفيد الاثبات المؤكد ذلك أن الناس قد تتشابه في فصائل دمها.

لكن العلم لم يتوقف واكتشف حديثا ما يسمى بالبصمة الوراثية التي لا يتشابه فيها رجلان، فصار متاحا معرفة هذه البصمة عن طريق فحص الدم أو اللعاب أو المني أو الجلد أو اللحم أو أي مكون م جسم الانسان، هكذا صار بالإمكان تحديد هوية الانسان بدقة 100% وبخلاف تحليل فصيلة الدم التي تفيد النفي فقط فإن معرفة DNA للطفل والأم يتيح معرفة الحمض النووي للأب البيولوجي للطفل، هكذا انتقل العلم من النفي المؤكد الى الاثبات والنفي المؤكدين.

المشرع المغربي سيرا على نهج نظيره التونسي خلافا لباقي الدول العربية التي لا تعتمد على الخبرة الطبية أصبح يعتمد الاثبات الموسع في ميدان النسب، ورغم أنه لم يشر إلى البصمة الوراثية بشكل صريح وإنما أشار في المادة 158 إلى كل الوسائل المقررة شرعا بما في ذلك الخبرة القضائية، والخبرة القضائية التي يأمر بها القاضي يدخل في نطاقها الخبرة الطبية وتحليل الحمض النووي للأب والطفل لمعرفة تأصل هذا من ذاك.

نفس المقتضى سارت معه المادة 153 بقولها : ” يثبت الفراش بما تثبت به الزوجية. يعتبر الفراش بشروطه حجة قاطعة على ثبوت النسب، لا يمكن الطعن فيه إلا من الزوج عن طريق اللعان، أو بواسطة خبرة تفيد القطع، بشرطين: إدلاء الزوج المعني بدلائل قوية على ادعائه؛ صدور أمر قضائي بهذه الخبرة. “

وعليه فالزوج يستطيع نفي النسب بالخبرة شريطة أن تصدر بأمر قضائي، مع الادلاء بدلائل قوية على نفي النسب، هذه الخبرة هي تحليل الحمض النووي، وهي تقنية أصبحت متاحة في المختبرات الطبية المغربية، هذه الخبرة تكتسب الان حجية قطعية لا يمكن الطعن فيها إلا بالزور، والقضاء يستعين بها في حالة الشك في شهادة الشهود أو وسائل الاثبات الاخرى.

تنازع الفراش والخبرة الطبية

محكمة النقض حاليا تسير في اتجاه اعتبار الخبرة القضائية من وسائل الطعن في النسب إثباتا ونفيا، بعدما كانت في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة تسير في ترجيح كفة الفراش على الخبرة، هذا المستجد جاء نتيجة مستجدات مدونة الاسرة التي تتماشى مع القضاء الفرنسي الذي كان يعتبر مدونة الاحوال الشخصية الملغاة مخالفة للنظام العام نظرا لطابعها الديني الاسلامي.

تنازع الخبرة والإقرار بالنسب

أغلب الفقه والاجتهاد الفقهي يعتبران الإقرار بالنسب مقدما على الخبرة تغليبا لحق الطفل في النسب عملا بالقاعدة الفقهية في الشريعة الاسلامية التي مفادها أن الشرع متشوف للحقوق الانساب، و هو ما يسير معه المجلس الاعلى.

📗 خلاصة الباب

  • البنوة شرعية أو غير شرعية (المادة 142)، والأصل شرعيتها حتى يثبت العكس؛ أسباب النسب الشرعي هي الفراش والإقرار والشبهة، وتترتب عليها كافة آثار القرابة من نفقة وإرث ومنع مصاهرة.
  • البنوة غير الشرعية لا ينتج عنها أي أثر بالنسبة للأب (المادة 148)، بينما تستوي آثارها بالنسبة للأم سواء كانت العلاقة شرعية أو غير شرعية (المادة 146). التبني باطل شرعاً وقانوناً ولا يثبت به نسب (المادة 149).
  • يثبت النسب بالفراش (بشروطه الثلاثة: عقد صحيح، مدة حمل بين 6 أشهر وسنة، إمكانية الاتصال) وبالإقرار (بشروطه الخمسة في المادة 160) وبشهادة عدلين وببينة السماع وبالخبرة القضائية.
  • لا ينتفي النسب إلا بحكم قضائي (المادة 159): إما بإثبات اختلال شروط الفراش، أو باللعان (نظام إسلامي خالص)، أو بالخبرة الطبية (البصمة الوراثية) بشرط أمر قضائي ودلائل قوية؛ والقضاء المغربي يتشدد في قبول النفي أكثر من تشدده في قبول الإثبات، تغليباً لمصلحة الطفل.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية