📖 المالية العامة والميزانية — الفصل 4 من 4 — فهرس الكتاب
أولا: دواعي الإصلاح ومتطلباته
يندرج إصلاح الميزانية في إطار يستدعي توفير الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الكفيلة بتحقيق اندماج ناجع للمغرب في المحيط الدولي، ومراعاة التزاماته تبعا لاتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي ومناطق التبادل الحر مع دول أخرى. أما الإصلاح في حد ذاته فيستجيب لمجموعة من المتطلبات الأساسية: الحفاظ على التوازنات المالية لتفادي الاختلالات المضرة بالإطار الماكرو-اقتصادي، وإشاعة الشفافية وتعزيز مصداقية الميزانية ودعم مبادئ المساءلة والمحاسبة، وترشيد النفقات العمومية توخيا للأداء الجيد، وتكييف مسلسل الميزانية مع اللاتمركز.
ثانيا: من منطق الوسائل إلى منطق النتائج
يتمثل جوهر إصلاح الميزانية في الانتقال في مجال التدبير من منطق الوسائل إلى منطق النتائج. ففي منطق الوسائل، يكون الهدف صرف الاعتمادات، وتُحدَّد الأهداف في إطار الموارد المتاحة، ويُقيَّم الأداء حسب درجة صرف الاعتمادات واحترام المساطير. أما في منطق النتائج، فالهدف هو فعالية النفقات العمومية واستهداف تحسين عيش المواطن، وتُحدَّد الأهداف انطلاقا من الحاجيات والأولويات، وتُعبَّأ الوسائل لتحقيقها، ويُقيَّم الأداء حسب درجة بلوغ الأهداف وأثرها على السكان.
وعندما تركز الميزانية على تحقيق نتائج، يصبح صرف الاعتمادات وسيلة فقط وليس هدفا في حد ذاته، سواء في مرحلة الإعداد (عند برمجة المشاريع) أو في مرحلة الإنجاز (عند تنفيذها، بالحرص على أن تكون أكبر فائدة على السكان والاقتصاد). وتعزز هذه المقاربة الجديدة ثقافة جديدة على ثلاثة مستويات: على مستوى التخطيط (تحديد الأولويات، تفعيل سياسة القرب، اللاتمركز واللامركزية)، وعلى مستوى التدبير والإنجاز (تعبئة كل الإمكانات المركزية والمحلية، مراعاة النجاعة والفعالية)، وعلى مستوى تحقيق العدالة والحكامة (الإنصاف، المساواة، الديمقراطية التشاركية، المسؤولية، الشفافية).
وتقوم هذه المقاربة، على سبيل المثال، بتجاوز النظرة القطاعية العمودية الضيقة للبرامج نحو مقاربة شاملة ومندمجة: فبرنامج التنمية القروية يهم عدة قطاعات وزارية في آن واحد (الفلاحة والتجهيز والصحة والتربية الوطنية)، وإنجازه على المستوى المالي يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الاندماج والتكامل بين هذه القطاعات.
ثالثا: دعامات الإصلاح وآلياته
يقوم إصلاح الميزانية على دعامتين أساسيتين: الدعامة الأولى تتمثل في الإطار التنظيمي باعتماد ثلاث آليات هي شمولية الاعتمادات والتعاقد والشراكة، والدعامة الثانية دعامة هيكلية تتمثل في إطار تحليلي للواقع الاقتصادي والاجتماعي بإدماج مقاربة النوع الاجتماعي.
آلية التعاقد
يعتبر التعاقد (contractualisation) أداة رئيسية لتحديد نوعية العلاقات بين الإدارات المركزية ومصالحها الخارجية، تعميقا لعملية اللاتركيز الإداري، وذلك بإبرام عقد بين الإدارة المركزية والمصالح اللاممركزة التابعة لها يحدد حقوق والتزامات الطرفين على مدى ثلاث سنوات عموما. وتتمثل مكونات العقد في: الأهداف (تدقيق الأهداف المتوخاة مع جدولة زمنية للإنجاز)، والوسائل أو الموارد (البشرية والمالية والتنظيمية الضرورية)، والنظام المعلوماتي (لجمع وتحليل ومعالجة المعلومات ومتابعة مؤشرات الأداء).
آلية شمولية الاعتمادات
تعني شمولية الاعتمادات (globalisation des crédits) تكييف ميزانية الدولة مع هدف اللاتركيز، عبر منح الآمرين بالصرف ونوابهم مرونة أكبر للتصرف في الاعتمادات الموضوعة رهن إشارتهم، مقابل تحميلهم مسؤوليات مباشرة في تحقيق الأهداف المحددة لهم؛ ويتجلى ذلك في إلغاء تأشيرة مديرية الميزانية على تحويل الاعتمادات بين سطور نفس الفقرة. وتتطلب الاستفادة من هذه المرونة شرطين: تحسين تقديم الميزانية بإعادة هيكلة الكراسة الموازنية بحيث تصبح الفقرة السند الأساسي لإنجاز برنامج محدد، وتحديد مؤشرات مرقمة تربط بين الاعتمادات المخولة والنتائج المتوخاة منها.
آلية الشراكة
تتعلق آلية الشراكة بمقاربة جديدة للتنمية المندمجة تنبني على إشراك مختلف الفاعلين إلى جانب الدولة، تراعي مبادئ الحكامة وتنهض بالديمقراطية المحلية وتفعل سياسة القرب. ومن أمثلتها الشراكة بين الدولة والجمعيات، التي تستهدف قطاعات ذات أولوية كمحاربة الفقر والإقصاء الاجتماعي، ودعم النساء والأطفال في وضعية هشة، ومحو أمية الكبار، والإدماج المهني للشباب، والبنيات التحتية الاجتماعية الأساسية؛ عبر إبرام اتفاقية كلما فاقت المساهمة العمومية 50.000 درهم.
رابعا: إصلاح المراقبة المالية
واكب إصلاح الميزانية إصلاح للمراقبة المالية، بتخفيف الرقابة القبلية وتحسين تدخلها. فبعد أن كان النظام القديم يرتكز أساسا على رقابة قبلية مسطرية بطيئة وغير فعالة مع تعدد مستوياتها، جاء النظام الجديد بتحديد مسؤولية المتدخلين في تنفيذ النفقات (الآمرين بالصرف، المراقبين، المحاسبين) في إطار نظرة مندمجة للرقابة، وإقرار رقابة نوعية تتسم بالتبسيط والسرعة والترشيد، ورفع المبالغ الدنيا الخاضعة للرقابة القبلية، وتعزيز رقابة الفعالية والرقابة الذاتية، وتعزيز اللاتمركز على الصعيد الترابي، ووضع مخطط مديري معلوماتي يساعد المتدخلين على اتخاذ القرارات الملائمة.
📗 خلاصة الباب
- جوهر الإصلاح: الانتقال من منطق الوسائل (الهدف صرف الاعتمادات) إلى منطق النتائج (الهدف فعالية النفقات وتحسين عيش المواطن).
- يقوم الإصلاح على دعامتين: الإطار التنظيمي (التعاقد، شمولية الاعتمادات، الشراكة)، ودعامة هيكلية تحليلية تدمج مقاربة النوع الاجتماعي.
- التعاقد يربط الإدارة المركزية بمصالحها اللاممركزة على 3 سنوات، وشمولية الاعتمادات تمنح الآمرين بالصرف مرونة مقابل المسؤولية، والشراكة تشرك فاعلين محليين وجمعويين.
- واكب إصلاحُ المراقبة الماليةَ بتخفيف الرقابة القبلية وتعزيز الرقابة اللاحقة والذاتية، في إطار نظرة مندمجة لمسؤولية المتدخلين.
◀ الفصل السابق: الإطار القانوني للميزانية ودورتها
اترك تعليقاً